أحمد بن علي القلقشندي

115

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لا غالب لمن ينصره ، وحصر العدوّ ( 1 ) من كان العدوّ يحصره ، وظهر الحقّ على الباطل ، والحالي بزينة اللَّه على العاطل ، فخرج العدوّ الخاسر عما حازه والسّيوف ترهقه حيث تلفيه ، والسّهام تثبته وتنفيه ، وغرماء كرّة الإسلام تستقضي ( 2 ) منه دينها وتستوفيه ، والخزي قد جلَّل سباله الصّهب ، وحنّاءالدّماء قد خضبت مشيخته الشّهب ، والغلب قد أخضع رقابه الغلب ، فكم من غريق أردته دروعه ، لمّا حشي بالرّوع روعه ، وطعين نظمت بالسّمهريّ ( 3 ) ضلوعه ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وأحقّ اللَّه الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين ، و * ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) * ( 4 ) فأيّ رحمة منشورة ضفت على الإسلام ظلالها ، وخطَّة نعمة اتّسع نطاقها ورحب مجالها ، ومجلى صنيعة راق عيون المؤمنين جمالها ، فاهتزّت ( 5 ) بها الأرض وربت ، وبشكر اللَّه جلّ جلاله أعربت ، واستبشرت النّفوس ، وذهب البوس ، وضفا بمنّة اللَّه اللَّبوس ، وظهرت عناية اللَّه بمقامكم ، وإقالة عثرة الإسلام في أيّامكم ، فما كان اللَّه سبحانه ليضيع لكم خدمة الحرمين ، وإنّها للوسيلة الكبرى ، والذّريعة إلى سعادة الدنيا والأخرى ، وهي عهدة اللَّه التي يصونها من كل اهتضام ، وقلادته التي ما كان ( 6 ) يتركها بغير نظام . وكان من لطائف هذا الفتح الذي أجزل البشرى ، وأوسع أعلام الإسلام نشرا ، وروده بعد أن شفيت العلَّة ، ونصرت الملَّة ، وبعد أن جفا الدهر وتجافى ، وعادى ثمّ صافي ، وهجر ووافى ، وأمرض ثم عافى ، فلو ورد مقدّمه قبل تاليه ، ونقده متأخّرا ( 7 ) عن كاليه ، أو كانت أواخره بعيدا ما بينها وبين أواليه ،

--> ( 1 ) في ريحانة الكتاب : « وحصر العدوّ بخصره من » . ( 2 ) في المصدر السابق ص 301 : « تقتضي » . ( 3 ) السمهريّ : الرمح الصلب والمنسوب إلى سمهر زوج ردينة ، اللذين كانا يثقّفان الرماح ، أو إلى قرية في الحبشة . راجع الرديني في محيط المحيط ، مادة ( ردن ) . ( 4 ) سورة البقرة 2 ، الآية 249 . ( 5 ) في ريحانة الكتاب : « واهتزّت » . ( 6 ) كلمة « كان » ساقطة في المصدر السابق . ( 7 ) في المصدر السابق : « متأخّر » .