أحمد بن علي القلقشندي

91

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والرّيب ؛ فإن اختياره لهذا الأمر طبّق مفصل الصواب ، ولشاكلة ( 1 ) رمي الرأي أصاب ؛ إذ هو الفذّ في علمه وفضله ، السديد في قوله وفعله ، البارع في إيجاز الخطاب وفصله ، المعرق في الزّهادة والدّيانة المزيّنين لفرعه وأصله . ولما وصل إلى الأبواب العزيزة الإماميّة - ضاعف اللَّه تعالى مجدها - مثل بالخدمة مؤدّيا من فرضها ما يلزم أمثاله من ذوي العقائد الصحيحة ، والموالاة المحضة الصريحة ؛ وصادف من التّكرمة والإنعام ما يوجبه له محلَّه من العلم الذي لا تكدّر الدّلاء بحره ، ولا تدرك الأرشية ( 2 ) بطولها قعره ؛ فهو فيه نسيج وحده ، وناسج برده ، وناشر علمه ، ومستغزر ديمه . وألقى من ذلك ما يقتضيه اختبار أحواله الشاهدة بأنه ممن أصحب في يده قياد الفصاحة الأبيّ ، وملَّكته زمامها الممتنع على من عداه العصيّ ، وجمع له من الفضائل ما أصبح في سواه متفرّقا ، وخير له منها ما جعل جفن حاسده لفرط الكمد مؤرّقا ، إلى ما زان هذه الخصائص التي تفرّد فيها وبرع ، وطال مناكب الأقران وفرع : من الإخلاص الدالّ على تمسّكه بحبل الدّين المتين ، واستمراره على جدده الواضح المبين ، وفصل عن الأبواب العزيزة فائزا من شرف الإرعاء ، ما وفّر الحظوظ والأنصباء ؛ حاصلا من حميد الآراء ، على أنفس العطاء وأجزل الحباء ؛ وقد تمهّد له من الوجاهة والمكانة ما يفخر بمكانه ، وتنقطع دون بلوغ شأوه أنفاس أقرانه ؛ ورسم - أعلى اللَّه المراسيم الإمامية وأمضاها - مطالعة المجلس العالي السلطانيّ أعلاه اللَّه بهذه الحال ، تقريرا لها عند العلم الكريم واستمدادا للطَّول والإنعام ، باختصاص قطب الدّين بالاحترام ؛ الذي هو حقيق بمثله ، وخليق أن لا يضحى عن وارف ظله ، وما يوعز به من ذلك يصادف من دواعي الاستحقاق أوفاها ، ويرد من مناهل الذكر الجميل أعذبها وأصفاها ، ويتلقّى من شرف المحامد بألطفها وأحفاها ، وللرأي العالي علوّ رأي ، إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) الشاكلة : الخاصرة . ويقال : أصاب شاكلة الصواب . والجمع شواكل . ( 2 ) الأرشية : جمع رشاء ، وهو حبل الدلو .