أحمد بن علي القلقشندي

56

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المشهور ، تغني عن بسط مالها من الأمور ؛ ففتحها اللَّه على يدينا عنوة وجعلت مقاتلتها نهبا للسيوف الرّقاق ، وسبيها ملكة للاسترقاق ، وأهلَّة مبانيها البيض دريئة ( 1 ) للمحاق ، واستولت على جميعها أيدي الهدم والإحراق ؛ ثم دكَّت الأسوار ، وعقرت الأشجار ، واستخلف على خارجها النار ، فهي اليوم صفصف ينشأ بها الاعتبار ، وتعجب الأبصار . وغزونا بعدها مدينة أبّدة ( 2 ) أختها الكبرى ، ولدتها ذات المحل الأسرى ؛ وكانت أسوة لها في التدمير ، والتّتبير ( 3 ) والعفاء المبير . ثم نازلنا مدينة قرطبة ( 4 ) وهي أمّ هذه البلاد الكافرة ، ودار النّعم الوافرة ، وذات المحاسن السافره ؛ فكدنا نستبيح حماها المنيع ، ونشتّت شملها الجميع ، ونحتفل بفتحها الذي [ هو للدين أجل ] ( 5 ) صنيع ، لولا عوائق أمطار ، وأجل منته إلى مقدار ؛ فرحلنا عنها بعد انتهاك زلزل الطَّود ، ووعدناها العود ؛ ونؤمّل من فضل اللَّه إنفاذ البشرى بفتحها على بلاد الإسلام ، ومتاحفة ( 6 ) من بها من الملوك

--> ( 1 ) الدريئة : ما يستتر به الصائد ليختل الصيد ، والدريئة أيضا : حلقة أو دائرة يتعلم عليها الطعن والرمي . والمحاق ، بفتح الميم وضمها : ما يرى في القمر من نقص . ( 2 ) في ياقوت أيضا بالدال المهملة . وفي الروض المعطار وتحقيق بروفنسال : بالذال المعجمة . وأبّذة مدينة صغيرة بالأندلس بينها وبين بيّاسة سبعة أميال تقع على مقربة من النهر الكبير . قال في الحلة السيراء : أبدة ( بالباء الساكنة المخففة ) بناها الوزير أبو خالد ، هاشم بن عبد العزيز أحد رجالات الموالي المروانية بالأندلس الذين قتله المنذر بن محمد سنة 273 ه . قال في الروض : وفي سنة 609 ه مالت عليها جموع النصرانية بعد كائنة العقاب وملكوها بالسيف وقتلوا كثيرا وأسروا كثيرا . ( انظر معجم البلدان : 1 / 64 والروض المعطار : 6 وصفة جزيرة الأندلس : 11 والحلة السيراء : 1 / 137 - 138 ) . ( 3 ) تبر الشيء : أهلكه . والتتبير : الإهلاك والتدمير . ( 4 ) قال في الروض المعطار : قرطبة قاعدة الأندلس ، أم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها ؛ وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضا ، وبين المدينة والمدينة سور حاجز وفيها المسجد الجامع الذي ليس في مساجد المسلمين مثله تنميقا وطولا وعرضا . ( 5 ) بياض بالأصل . والزيادة من حاشية الطبعة الأميرية عن « الريحانة » . ( 6 ) لم نجد هذا اللفظ في معاجم اللغة ؛ ولعله لفظ عاميّ ففي البلاد الشامية يقولون بالعامية : تاحفه . بمعنى لاحقه وألح عليه بالمتابعة ، وهو معنى يناسب السياق .