أحمد بن علي القلقشندي
53
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يخجل أنفاس الرّياض العاطره ، عقب الغمائم الماطره . فإنا كتبناه إليكم - كتب اللَّه لكم عناية تحجب الأسواء [ بجننها ] ( 1 ) الساتره ، ورعاية تجمع الأهواء المختلفة والقلوب المتنافرة - من حمراء غرناطة دار الملك الإسلاميّ بالأندلس - حرسها اللَّه ووفّر جموع حاميتها المثاغرة ( 2 ) - وسدّ بيد قدرته ما همّ بها من أفواه العدى الفاغره ، ولا زالت سحائب رحمة اللَّه الحائطة لها الغامره ، تظلَّل جموع جهادها الظافره ، وتجود رمم شهدائها الناخره ، ونعم اللَّه تحطَّ ركائب المزيد في نواديها الحامدة الشاكره . والحمد للَّه كما هو أهله ، فلا فضل إلا فضله . وجانبكم موفّى حقّه من التعظيم الذي أناف وأربى ، وقدركم يعرفه من صام وصلَّى فضلا عمن حجّ ولبّى ، ومستند ودّكم * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * ( 3 ) . وإلى هذا - حرس اللَّه مجدكم ومقرّكم الأشرف ، كما سحب على البيت العتيق ظلَّكم الأورف - فإنّ الجهاد والحجّ أخوان ، يشهد بذلك الملوان ( 4 ) ؛ مرتضعان ثدي المناسبة ، ويكادان يتكافئان في المحاسبة : سفرا وزادا ، ونيّة واستعدادا ، وإتلافا لمصون المال وإنفادا ، وخروجا إلى اللَّه لا يؤثر أهلا ولا ولدا وإن افترقا محلَّا فقد اجتمعا جهادا ، ورفعا للملة منارا ساميا وعمادا ، ووطننا - والحمد للَّه - على هذا العهد المخصوص بكمال هذه المزيّة ، والقيام بفرض كفايتها البحرية والبرية عن جميع البريّة ، [ السليمة من الضلال البرية ] ( 5 ) وهذا النسب واشجة ( 6 ) عروقه ،
--> ( 1 ) الزيادة من حاشية الطبعة الأميرية عن « ريحانة الكتاب » والجنن : جمع جنّة وهو ما يستر أو ما يقي . يقال : الصوم جنّة أي وقاية من الشهوات . ( 2 ) المثاغرة : المرابطة في الثغور . ( 3 ) الشورى / 23 . ( 4 ) الملوان : الليل والنهار . ( 5 ) الزيادة عن حاشية طبعة المؤسسة المصرية نقلا عن « ريحانة الكتاب » . ( 6 ) واشجة : مشتبكة ومتصلة ؛ والأوشاج : ألوان داخلة بعضها في بعض .