أحمد بن علي القلقشندي

5

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( الله لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) * ( 1 ) وإنا كنّا نقرّبك إلينا ، وننسبك إلى بيوتنا ؛ طمعا في إنابتك ، وتأميلا لفيئتك ( 2 ) ؛ فلمّا طال في الغيّ انهماكك ، وفي غمرة الجهل ارتباكك ؛ ولم نر الموعظة تلين كبدك ، ولا التذكير يقيم أودك ( 3 ) ، لم تكن لهذه النّسبة أهلا ، ولا لإضافتك إلينا موضعا ومحلَّا ؛ بل لا نكنى بأبي العبّاس إلا تكرّها وطمعا بأن يهب اللَّه منك خلفا نقلده اسمك ونكنى به دونك ، ونعدّك كنت نسيا منسيّا ، ولم تك شيئا مقضيّا ؛ فانظر ولا نظر بك إلى عار نسبته تقلَّدت ، وسخط من قبلنا تعرّضت ، واعلم أن البلاء بإذن اللَّه قد أظلَّك ، والمكروه إن شاء اللَّه قد أحاط بك ؛ والعساكر بحمد اللَّه قد أتتك كالسّيل في الليل ، تؤذنك بحرب وبويل ؛ فإنّا نقسم ، ونرجو أن لا نجور ونظلم ، أن لا نثني عنك عنانا ، ولا نؤثر على شانك شانا ؛ ولا تتوقّل ( 4 ) ذروة جبل ، ولا تلج بطن واد ؛ إلا جعلناك ( 5 ) بحول اللَّه وقوته فيهما ، وطلبناك حيث أمّمت منهما ؛ منفقين فيك كلّ مال خطير ، ومستصغرين بسببك كلّ خطب جليل ، حتّى تستمرّ من طعم العيش ما استحليت ، وتستدفع من البلايا ما استدعيت ؛ حين لا دافع بحول اللَّه عنك ، ولا مزحزح لنا عن ساحتك ؛ وتعرف من قدر الرّخاء ما جهلت ، وتودّ أنك هبلت ولم تكن بالمعصية عجلت ، ولا رأي من أضلَّك من غواتك قبلت ؛ فحينئذ يتفرّى ( 6 ) لك الليل عن صبحه ، ويسفر لك الحقّ عن محضه ؛ فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما ، وتسمع بأذنين لا وقر ( 7 ) فيهما ؛ وتعلم أنك كنت متمسّكا بحبائل غرور ، متماديا في مقابح أمور : من عقوق لا ينام طالبه ،

--> ( 1 ) النحل / 112 . ( 2 ) الفيئة : الرجوع . ( 3 ) الأود : الاعوجاج . ( 4 ) وقل في الجبل وتوقّل فيه : صعّد فيه . ويقال : توقّل في مصاعد الشرف . ( 5 ) لعله : « تبعناك » والمقصود اقتفاء أثره حيث يمم . ( 6 ) تفرّى وانفرى : انشقّ ، والمراد ، ينكشف . ( 7 ) الوقر : الصمم .