أحمد بن علي القلقشندي
40
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يذلَّل شماسه ( 1 ) ، ويقلَّل ناسه ؛ حتّى أذعنوا لما عرّفتم به من النزول لوقت معدود ، وأمد محدود . ثم إنهم خامرهم طارق الوجل ، فعجّلوا أداء دينه قبل حلول الأجل ؛ وأمكن اللَّه من هذا المعقل الفذّ في المعاقل ، وقتل الظانين لا متناعهم والحسام إن شاء اللَّه تعالى في يد القاتل ؛ وقد صعدت راياتنا على السّور ، وسعدت إدارتنا بالعزم المنصور ، وشيّد اللَّه من هذا الفتح الجليل أقصى الفتوح بعلوّ ، وأشجاها للعدوّ ، وأدلَّها على نجح عمل مستأنف وبلوغ أمل مرجوّ . والحمد للَّه الذي ردّ حقّنا المغتصب ، وكفانا في وجهنا هذا التعب والنّصب ؛ وعرّفناكم بهذا الخبر الذي هو غذاء للرّوح ، والمنبيء عن فتح الفتوح : لتشكروا اللَّه عليه شكرا ، وتوفّوه حقّه إذاعة له ونشرا ، وتجدّدوا بحمد اللَّه [ على ] ما أولى من خالص النّعم ، ووافر القسم ، ما يطيب به المعرّس ( 2 ) والمقيل ( 3 ) ، ويستقصر به الأمد الطويل . واكتبوا من خطابنا هذا نسخا إلى الجهات ليأخذ منها كلّ بحظه ، وينعم القريب والبعيد بجلالة معناه وجزالة لفظه ؛ أعاننا اللَّه وإيّاكم على شكر إحسانه الجزيل ، ولا أخلى من لطفه العميم ونظره الجميل ، بمنّه والسلام . الحالة الثانية ( ما الأمر مستقرّ عليه الآن مما كان عليه علَّامة متأخري كتّاب المغرب أبو عبد اللَّه محمد بن الخطيب ( 4 ) وزير ابن الأحمر ( 5 ) : صاحب حمراء غرناطة من الأندلس ) والأمر فيها على نحو ما تقدّم في الحالة الأولى : من التعبير عن المكتوب إليه
--> ( 1 ) الشماس : الإباء والمعاندة . ( 2 ) المعرّس : المكان ينزل فيه المسافر آخر الليل . ( 3 ) المقيل : مكان الراحة والنوم في منتصف النهار ؛ ومنها القيلولة . ( 4 ) هو لسان الدين ، ابن الخطيب المعروف بذي الوزارتين : وزارة القلم ووزارة السيف ؛ ويعرف أيضا بابن الخطيب السلماني . له من المؤلفات ما يناهز الستين في التاريخ والجغرافيا والشعر والأدب والتصوف والفلسفة والطب . وأهم مصنفاته كتابه المطول في تاريخ غرناطة المسمى « الإحاطة في . ( تاريخ غرناطة » . توفي مقتولا سنة 776 ه . ( انظر دائرة المعارف الإسلامية 1 / 268 ) والأعلام 6 / 235 ) ) . ( 5 ) تولى ابن الخطب الوزارة ثلاث مرات لاثنين من بني الأحمر ؛ في المرة الأولى لأبي الحجاج يوسف ابن إسماعيل بن فرج بن اسماعل ، سابع ملوك بني نصر ، وذلك من سنة 1333 م إلى سنة 1354 . وبعد أن قتل هذا السلطان وزّر في المرة الثانية لابنه وخليفته محمد بن أبي الحجاج ، من سنة 1354 إلى 1359 . وخلع محمد هذا وسجن ابن الخطيب ؛ ثم عاد إلى الوزارة للمرة الثالثة سنة 1362 م عندما أعاد المرينيون السلطان محمدا إلى العرش . وابن الأحمر المشار إليه في النص أعلاه هو أبو الحجاج ؛ وفي ذلك يقول ابن الخطيب في كتابه « أعمال الأعلام » : « ثم اشتمل عليّ ، وسني يومئذ قريبة من سنه ؛ فأسند إليّ جميع أمره ، وفرغ لي من تدبيره ، واستراح إليّ بسره وجهره ، وسفّرني إلى ملك المغرب في مهم أمره » . ( انظر دائرة المعارف الاسلامية : 1 / 269 والأعلام : 7 / 153 و 8 / 217 وتاريخ إسبانيا الإسلامية بتحقيق وشرح بروفنسال : ص 305 ) .