أحمد بن علي القلقشندي

110

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بنصيبين ( 1 ) على محاربة باد الكرديّ ( 2 ) كتابنا ، ووصل كتابك مؤرّخا بيوم كذا ، تذكر فيه ما جرى عليه أمرك في الخدمة التي نيطت بكفايتك وغنائك ، ووكلت إلى تدبيرك ورأيك : من رد باد الكرديّ عن الأعمال التي تطرّقها ، وحدّث نفسه بالتغلَّب عليها ، وتصرّفك في ذلك على موجبات الأوقات ، والتردّد بين أخينا وعدّتنا أبي حرب زياد بن شهرا كويه وبينك من المكاتبات ، وحسن بلائك في تحيّفه ( 3 ) ، ومقاماتك في حصّ ( 4 ) جناحه ، وآثارك في الانقضاض على فريق بعد فريق من أصحابه ، واضطرارك إيّاه بذلك وبضروب الرياضات التي استعملتها ، والسياسات التي سست أمره بها ، إلى أن نزل عن وعورة المعصية إلى سهولة الطاعة ، وانصرف عن مجاهل الغواية إلى معالم الهداية ، وتراجع عن السّوم ( 5 ) إلى الاقتصار وعن السّرف إلى الاقتصاد ، وعن الإباء إلى الانقياد ، وعن الاعتياص ( 6 ) إلى الإذعان . وأن الأمر استقرّ على أن قبلت منه الإنابة ، وبذلت له فيما طلب الاستجابة ؛ واستعيد إلى الطاعة ، واستضيف إلى الجماعة ، وتصرّف على أحكام الخدمة ، وجرى مجرى من تضمّه الجملة ؛ وأخذت عليه بذلك العهود المستحكمة والأيمان المغلَّظة ، وجدّدت له الولاية على الأعمال التي دخلت في تقليده ، وضربت عليها حدوده ؛ وفهمناه .

--> ( 1 ) مدينة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام ؛ بينها وبين سنجار تسعة فراسخ ، وبينها وبين الموصل ستة أيام . ( معجم البلدان : 5 / 288 ) . ( 2 ) تمرد على صمصام الدولة لصالح أخيه شرف الدولة . ( 3 ) تحيّف الشيء : أخذ من حافته . والمراد : في مواجهته واللحاق به . والضمير في « تحيفه » يرجع إلى « باد الكردي » . ( 4 ) حصّ الشعر : حلقه . والريش : نتفه . ( 5 ) سام سوما : ذهب على وجهه حيث شاء . ( 6 ) الاعتياص : الاستعصاء والمعاندة .