أحمد بن علي القلقشندي

11

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وعلا الذي تفرّد بكمال هذه الفضيلة ، ووهبها لأوليائه ثم أثابهم عليها ، أن يوفّقنا لها ، ويجعلنا من أهلها ، وييسّرنا للاجتهاد فيها ، والاعتصام من زيغ الهوى عنها ، وعرّة ( 1 ) القسوة بها ، ويجعل ما أودع قلوبنا من ذلك موقوفا على طاعته ، وموجبات مرضاته ، حتّى نكون أهلا لما وصفتنا به ، وأحقّ حقّا بما دعوتنا إليه ، وممن يستحقّ الزّلفى من اللَّه تعالى ، فإنا فقراء إلى رحمته ؛ وحقّ لمن أنزله اللَّه بحيث أنزلنا ، وحمّله من جسيم الأمر ما حمّلنا ، وجمع له من سعة الممالك ما جمع لنا بمولانا أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه ، أن يبتهل إلى اللَّه تعالى في معونته لذلك وتوفيقه وإرشاده ، فإن ذلك إليه وبيده : * ( ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَه نُوراً فَما لَه مِنْ نُورٍ ) * ( 2 ) وأما ما وصفته من ارتفاع محلَّك عن مرتبة من هو دون الخليفة في المكاتبة لما يقتضيه عظم ملككم ، وأنه الملك القديم الموهوب من اللَّه ، الباقي على الدّهر ، وإنك إنما خصصتنا بالمكاتبة لما تحقّقته من حالنا عندك ، فإنّ ذلك لو كان حقّا وكانت منزلتنا كما ذكرته تقصر عن منزلة من تكاتبه ، وكان لك في ترك مكاتبتنا غنم ورشد ، لكان من الأمر البيّن أن أحظى وأرشد وأولى بمن حلّ محلَّك أن يعمل بما فيه صلاح رعيّته ، ولا يراه وصمة ولا نقيصة ولا عيبا ، ولا يقع في معاناة صغيرة من الأمور تعقبها كبيرة ، فإن السائس الفاضل قد يركب الأخطار ، ويخوض الغمار ، ويعرّض مهجته ، فيما ينفع رعيّته ؛ والذي تجشّمته من مكاتبتنا إن كان كما وصفته فهو أمر سهل يسير ، لأمر عظيم خطير ؛ وجلّ نفعه وصلاحه وعائدته تخصّكم ، لأن مذهبنا انتظار إحدى الحسنيين ، فمن كان منّا في أيديكم فهو على بيّنة من ربه ، وعزيمة صادقة من أمره ، وبصيرة فيما هو بسبيله ؛ وإن في الأسارى من يؤثر مكانه من ضنك الأسر وشدّة البأساء على نعيم الدنيا وخيرها لحسن منقلبه ، وحميد عاقبته ، ويعلم أن اللَّه تعالى قد أعاذه من أن يفتنه ، ولم يعذه من أن يبتليه ؛ هذا إلى أوامر الإنجيل الذي هو إمامكم ، وما توجبه عليكم عزائم

--> ( 1 ) العرّة بالفتح : الخلَّة القبيحة ، وبالضم : القذر ، وتستعار للمساوي والمعايب . ولم نجدها بالكسر . ( 2 ) النور / 40 .