الآلوسي
10
تفسير الآلوسي
القدرة ، وعلى الثاني هي تحقيق للوفاء بالوعد وليس فيه ما يدل على أن الموعود يحصل أولاً . * ( وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . * ( وَقَالَ ) * يوسف عليه السلام * ( لفتْيَانه ) * لغلمانه الكيالين كما قال قتادة . وغيره أو لأعوانه الموظفين لخدمته كما قيل ، وهو جمع فتى أو اسم جمع له على قول وليس بشيء ، وقرأ أكثر السبعة ( لفتيته ) وهو جمع قلة له ، ورجحت القراءة الأولى بأنها أوفق بقوله : * ( اجْعَلُوا بضَاعَتَهُمْ في رحَالهمْ ) * فإن الرحال فيه جمع كثرة ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون في مقابلة صيغة جمع الكثرة ، وعلى القراءة الأخرى يستعار أحد الجمعين للآخر . روى أنه عليه السلام وكل بكل رحل رجلاً يعبى فيه بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام وكانت نعالاً وادماً ؛ وأصل البضاعة قطعة وافرة من المال تقتني للتجارة والمراد بها هنا ثمن ما اشتروه . والرحل ما على ظهر المركوب من متاع الراكب وغيره كما في البحر ، وقال الراغب : هو ما يوضع على البعير للركوب ثم يعبر به تارة عن البعير وأخرى عما يجلس عليه في المنزل ويجمع في القلة على أرحلة ، والظاهر أن هذا الأمر كان بعد تجهيزهم ، وقيل : قبله ففيه تقديم وتأخير ولا حاجة إليه ، وإنما فعل عليه السلام ذلك تفضلاً عليهم وخوفاً أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيهم كما يؤذن به قوله : * ( لَعَلَّهُمْ يَعْرفُونَهَا ) * أي يعرفون حق ردها والتكرم بذلك - فلعل - على ظاهرها وفي الكلام مضاف مقدر ، ويحتمل أن يكون المعنى لكي يعرفوها فلا يحتاج إلى تقدير وهو ظاهر التعلق بقوله : * ( إذَا انْقَلَبُوا ) * أي رجعوا * ( إلَى أَهْلِهِمْ ) * فإن معرفتهم لها مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعاً ، وأما معرفة حق التكرم في ردها وإن كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قيدت به * ( لَعَلَّهُمْ يَرْجعُونَ ) * حسبما طلبت منهم ، فإن التفضل بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى الرجوع ، وقيل : إنما فعله عليه السلام لما أنه لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً وهو الكريم ابن الكريم وهو كلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل المذكور ، ومثل في هذا ما زعمه ابن عطية من وجوب صلتهم وجبرهم عليه عليه السلام في تلك الشدة إذ هو ملك عادل وهم أهل إيمان ونبوة ، وأغرب منه ما قيل : إنه عليه السلام فعل ذلك توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك ليتبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة ، ووجه بعضهم علية الجعل المذكور للرجوع بأن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لاحتمال أنه لم يقع ذلك قصداً أو قصداً للتجربة - فيرجعون - على هذا إما لازم وإما متعد ، والمعنى يرجعونها أي يردونها ، وفيه أن هيئة التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل فاحتمال غيره في غاية البعد ، أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبراً إن شاء الله تعالى . * ( فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) * . * ( فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنعَ منَّا الكَيْلُ ) * أي حكم بمنعه بعد اليوم إن لم نذهب بأخينا بنيامين حيث قال لنا الملك . * ( إن لم تأتوني به فلا كيف لكم عندي ) * ( يوسف : 60 ) والتعبير بذلك عما ذكر مجاز والداعي لارتكابه أنه لم يقع منع ماض ، وفيه دليل على كون الامتيار مرة بعد أخرى كان معهوداً بينهم وبينه عليه السلام ، وقيل : إن الفعل على حقيقته والمراد منع أن يكال لأخيهم الغائب حملاً آخر ورد بغيره غير محمل بناء على رواية أنه عليه السلام لم يعط له وسقاً * ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا ) * بنيامين إلى مصر ، وفيه إيذان بأن مدار المنع على عدم