أحمد بن علي القلقشندي
91
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الحادية عشرة ( في ترتيب أحوال هذه المملكة ) وتختلف الحال في ذلك باختلاف أحوال السلطان . أما الخدمة ، فخدمتان : إحداهما الخدمة اليوميّة ، فإنه في كلّ يوم يمدّ الخوان ( 1 ) في قصر السلطان : ويأكل منه عشرون ألف نفر من الخانات ، والملوك ، والأمراء ، والاصفهسلارية ، وأعيان الجند ، ويمدّ للسلطان خوان خاصّ ، ويحضره معه من الفقهاء مائتا فقيه في الغداء والعشاء ليأكلوا معه ويبحثوا بين يديه . وحكي عن الشيخ أبي بكر بن الخلَّال : أنه سأل طبّاخ هذا السلطان عن ذبيحته في كلّ يوم - فقال : ألفان وخمسمائة رأس من البقر ، وألفا رأس من الغنم ، غير الخيل المسمّنة وأنواع الطير . والثانية - الجمعيّة ، فحكي عن الشيخ محمد الخجنديّ أن لهذا السلطان يوم الثّلاثاء جلوسا عامّا في ساحة عظيمة متسعة إلى غاية ، يضرب له فيها حير ( 2 ) كبير سلطانيّ ، يجلس في صدره على تخت عال مصفّح بالذهب ، وتقف أرباب الدّولة حوله يمينا وشمالا ، وخلفه السّلاح داريّة ( 3 ) وأرباب الوظائف قيام بين يديه على منازلهم ، ولا يجلس إلا الخانات وصدر جهان « وهو قاضي القضاة » والدبيران « وهو كاتب السرّ الذي تكون له النّوبة » ويقف الحجّاب أمامه ، وينادى مناداة عامّة : إن من كان له شكوى أو حاجة فليحضر ، فيحضر من له شكوى أو حاجة ، فيقف بين يديه فلا يمنع حتّى ينهي حاله ، ويأمر السلطان فيه أمره . ومن عادته أن لا يدخل عليه أحد ومعه سلاح البتّة حتّى ولا سكَّين صغيرة
--> ( 1 ) الخوان : ما يوضع عليه الطعام . ( 2 ) في الأصل حير . ولا يقال حير ويقال حائر وهو الدار الواسع . أنظر لسان العرب ، مادة ( حير ) . ( 3 ) السلاح دار : ممسك السلاح . أنظر صفحة ( 434 ) من هذا الجزء .