أحمد بن علي القلقشندي

467

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وكسرها وضمها وأكثر ما تستعمل في المكاتبات . وهي من الألقاب القديمة التي كانت تستعمل في مكاتبات الخلفاء ، وكان يقال فيها « الحضرة العالية » و « الحضرة السامية » وتستعمل الآن في المكاتبات الصادرة عن الأبواب السلطانية إلى بعض الملوك . ويقال فيها : « الحضرة الشريفة العالية » و « الحضرة الكريمة العالية » و « الحضرة العليّة » بحسب ما تقتضيه الحال . قال ابن شيث في « معالم الكتابة » : كانت مما يكتب بها لأعيان الدولة من الوزراء وغيرهم ، ولم يكن السلطان يكاتب بها أحدا من الداخلين تحت حكمه والمنسحب عليهم أمره . وتستعمل أيضا في مكاتبات ملوك الكفر ، ويقال فيه بعد الدعاء للحضرة : « حضرة الملك الجليل » ونحو ذلك على ما سيأتي بيانه في موضعه . وقد تستعمل في الولايات في نحو ما يكتب للبطرك . فيقال : « حضرة الشيخ » أو « حضرة البطرك » ونحو ذلك . قلت : وكثير من كتّاب الزمان يظنّون أن هذه الألقاب الأصول أو أكثرها أحدثها القاضي شهاب الدين بن فضل اللَّه وليس كذلك ، بل المجلس مذكور في مكاتبات القاضي الفاضل ومن عاصره بكثرة بل لا تكاد مكاتبة من مكاتباته الملوكيّة تخلو عن ذلك . ومقتضى كلام ابن حاجب النّعمان في « ذخيرة الكتّاب » أنّه أوّل ما ابتدع في أيّام بني بويه ملوك الدّيلم والجناب موجود في مكاتبات القاضي الفاضل أيضا بقلَّة . وقد ذكره ابن شيث في مصطلح كتابة الدولة الأيوبية . والمقرّ موجود في كلام القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر . والمقام موجود في مكاتبات من قبل القاضي شهاب الدّين المذكور ، نعم هذا الترتيب الخاصّ : وهو جعل أعلاها المقام ، ثم المقرّ ، ثم الجناب ، ثم المجلس ، ثم مجلس الأمير أو القاضي أو الشيخ ، لم أره إلا في كلام المقرّ الشهابيّ المشار إليه ومتابعيه ، ولا أدري أهو المقترح لهذا أم سبقه إليه غيره ؟ وقد أولع الفضلاء بالسؤال عن وجه هذا الترتيب ، بل أخذوا في إنكاره على مرتّبه من حيث إن هذه الألقاب متقاربة المعاني في اللغة ، فلا يتجه تقديم بعضها على بعض في الرتبة ، ولا يخفى أن واضع ذلك من المقرّ الشهابيّ أو غيره لم يضعه عن جهل على سبيل التشهّي إذ لا يليق ذلك بمن عنده أدنى مسكة من العلم ، وقد ظهر لي عن ذلك