أحمد بن علي القلقشندي
390
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إلى أن سألهم الملك الكامل في الصّلح على أن يكون لهم القدس ، وعسقلان ، وطبريّة ، واللاذقيّة ، وجبلة ، وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من سواحل الشأم ، خلا الكرك والشّوبك ، فأبوا إلا أن يكون لهم الكرك والشّوبك أيضا ، وأن يعطوا مع ذلك ثلاثمائة ألف دينار في نظير ما خرّبوه من سور القدس ، فاعمل المسلمون حينئذ الحيلة في إرسال فرع من النيل في إبّان زيادته ، حال بين الفرنج وبين دمياط ، انقطع بسببه الميرة عنهم ، وأشرفوا على الهلاك ، وكان آخر أمرهم أن أعرضوا عن جميع ما كانوا سئلوا به من الأماكن المتقدّمة الذكر ونزلوا عن دمياط للمسلمين ، وتسلَّمها الملك الكامل منهم ، ثم عاد إلى مصر وبقيت دمياط بيد المسلمين إلى أن قصدها الفرنسيس في خمسين ألف مقاتل ، ومعه الأدفونش صاحب طليطلة في أيام الملك « الصالح أيوب » بن الكامل محمد ، بن العادل أبي بكر ، بن أيّوب في سنة سبع وأربعين وستمائة ، وهجم دمياط ، وملكها عنوة ، وسار الملك الصالح فنزل بالمنصورة ، وسار الفرنج فنزلوا مقابله ثم قصدوا دمياط فتبعهم المسلمون وبذلوا فيهم السيف ، فقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا ، وأسر الفرنسيس وحبس بالمنصورة بدار الصاحب « فخر الدين إبراهيم بن لقمان » صاحب ديوان الإنشاء ، ووكَّل به الطَّواشيّ صبيح « المعظميّ » ومات الصالح في أثناء ذلك ، واستقر ابنه الملك المعظَّم مكانه في الملك ؛ ثم قتل عن قريب ، وفوّض الأمر إلى « شجرة الدّرّ » ( 1 ) زوجة الملك الصالح ، وقام بتدبير المملكة معها « أيبك التّركمانيّ » ثم تسلَّم المسلمون دمياط من الفرنسيس وأطلقوه فسار إلى بلاده فيمن بقي معه من جماعته . وفي ذلك يقول جمال الدّين يحيى ( 2 ) بن مطروح الشاعر : ( سريع ) .
--> ( 1 ) هي : شجرة الدرّ الصالحية : ملكة مصر ، أصلها من جواري الملك الصالح الأيوبي نجم الدين . توفيت سنة 655 ه . ( 2 ) هو : يحيى بن عيسى بن إبراهيم جمال الدين ، ابن مطروح : شاعر أديب مصري . توفي سنة 649 ه . أنظر طبقات الأطباء ( ج 1 ، ص 255 ) والأعلام ( ج 8 ، ص 162 )