أحمد بن علي القلقشندي

385

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وفي داخلها كنيسة طولها ثلاثمائة ذراع وارتفاعها مائتا ذراع ، لها أربعة أبواب من فضّة سبكا واحدا ، مسقّفة بالنحاس الأصفر الملصق بالقصدير ، وحيطانها ملبّسة بصفائح النّحاس ، وبها كنيسة أخرى بها برج طوله في الهواء مائة ذراع ، وعلى رأس ذلك البرج قبّة مبنية بالرّصاص ، وعلى رأس القبة زرزور من نحاس إذا أدرك الزيتون انحشرت إليه الزّرازير من الأقطار البعيدة ، في منقار كل زرزور زيتونة وفي رجليه زيتونتان ، فيطرحها على ذلك البرج فيعصر ويؤخذ زيته ، فيستصبح به في الكنيسة جميع السنة . قال : وأهل رومية أجبن خلق اللَّه تعالى ، ومن سنّتهم أنهم لا يدفنون موتاهم ، وإنما يدخلونهم في مغائر ( 1 ) ويتركونهم فيها فيستوبيء هواؤهم ويقع الذّباب على الموتى ، ثم يقع على ثمارهم فيفسدها ، ولذلك هم أكثر بلاد اللَّه تعالى طواعين ، حتّى إن الطاعون يقع فيها ولا يتعدّاها إلى غيرها فوق عشرين ميلا ، وجميع أهلها يحلقون لحاهم ، ويزعمون أن كلّ من لا يحلق لحيته فليس نصرانيّا كاملا ، زاعمين أن سبب ذلك أن شمعون الصفا والحواريّين جاؤهم وهم قوم مساكين ليس مع كل واحد منهم إلا عصا وجراب ، فدعوهم إلى النّصرانية فلم يجيبوهم ، وأخذوهم فعذّبوهم وحلقوا رؤوسهم ولحاهم . فلما ظهر لهم صدق قولهم واسوهم بأن فعلوا بأنفسهم مثل ذلك . ولم تزل رومية هي القاعدة العظمى للرّوم حتّى بنيت القسطنطينيّة وتحوّل إليها قسطنطين ، وصارت قسطنطينيّة هي دار ملك الروم على ما تقدّم ذكره في الكلام عليها ، مع بقاء رومية عندهم على رفعة المحلّ وعظم الشأن إلى أن غلب عليها الفرنج وانتزعوها من أيديهم ، ورفعوا منها قواعدهم واستولوا على ما وراءها من النواحي والبلدان والجزائر : كجنوة ، والبندقيّة ، وأقريطش ، ورودس ، واسترجعوا كثيرا مما كان المسلمون استولوا عليه من بلاد الروم كغالب الأندلس . ثم حدثت الفتن بينهم وبين الروم بالقسطنطينيّة ، وعظمت الفتن بينهم ودامت نحوا من مائة سنة « وملك الروم بالقسطنطينيّة معهم في تناقص » حتّى إن رجّار

--> ( 1 ) كذا في الأصل . وهذا خطأ لغوي وقع فيه المؤلف فمغارة لا تجمع على مغائر . وتجمع على مغارات لأنها على وزن مفعلة ، لا على وزن فعالة . ولم يرد هذا الجمع في الشواذ أيضا .