أحمد بن علي القلقشندي

35

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

في زلل عن بعيد ولا قريب ، فإن أراد الارتحال عن دارهم ، مكَّنوه من العود كما جاءهم ، وخرج عنهم على أسوإ حال . مسلوبا ما استفاد عندهم من نعمة ، عقابا له على مفارقته لأبوابهم لا بخلا بما جادوا به . أما من قدّم إليهم القول بأنه أتاهم راحلا لا مقيما ، وزائرا لا مستديما ، فإنهم لا يكلَّفونه المقام لديهم ، ولا دواما في النزول عليهم ، بل يجزلون إفادته ، ويجملون إعادته . ثم بعد أن ذكر ما بين صاحب اليمن هذا وبين إمام الزّيديّة ( 1 ) باليمن من المشاجرة والمهادنة تارة والمفاسخة أخرى ، قال : وصاحب اليمن لا عدو له ، لأنه محجوب ببحر زاخر وبرّ منقطع من كلّ جهة ، وللمسالمة بينه وبينهم ، فهو لهذا قرير العين ، خالي البال ، لا يهمّه إلا صيد ، ولا يهيجه إلا بلبال . قال : وهم مع ذلك على شدة ضبط لبلادهم ومن فيها ، واحترازهم على طرقها برّا وبحرا من كل جهة ، لا يخفى عليهم داخل يدخل إليها ، ولا خارج يخرج منها ، ومع ذلك فهو يداري صاحب مصر ويهاديه ( 2 ) ، لمكان إمكان تسلَّطه عليه من البرّ والبحر الحجازيّ ، ولذلك اكتتب الملك « المؤيد داود » وصية أوصى فيها الملك الناصر « محمد بن قلاوون » صاحب الديار المصرية على ابنه الملك المجاهد عليّ . فلما مات المؤيد نجم على ابنه المجاهد ناجم ، فبعث بوصية أبيه إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ، فجهز معه عسكرا إلى اليمن فمنعه من عدوّه الناجم عليه ، ومكَّن له في اليمن وبسط يده فيه . القسم الثاني ( من اليمن النّجود ) وهي ما ارتفع من الأرض ، وبها مستقرّ أئمة الزيدية الآن .

--> ( 1 ) الزيدية : فرقة شيعية ، يتبعون الإمام زيد حفيد الحسين رضي اللَّه عنه سبط الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . ( 2 ) يهاديه : يبادله الهدايا .