أحمد بن علي القلقشندي
290
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قال : وهم قوم كثير عددهم ، ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنسانيّ ، لأنهم أجبر بني حام ، وأخبر بالتّوغَّل في القتال والاقتحام ، طول زمنهم في الأسفار ، وصيد الوحش ، وقتالهم إنما يكون عريا من غير لأمة ( 1 ) تدفع عنهم ولا عن خيلهم . ثم وصفهم بعد ذلك بأوصاف لولا ما هم عليه من الشرك لكانوا في الرّتبة العليا من مراتب بني آدم : فذكر أنّ المشهور عنهم مع ما هم عليه من المجاعة أنهم يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم . ومن عادتهم أن من رمى سلاحه في القتال حرم قتاله ، ويكرمون الضيف ، ولا ينقض الصديق منهم عهد صديقه ، وإذا أحبّوا أظهروا المحبة ، وإذا أبغضوا أظهروا البغض ، والغالب عليهم الذّكاء والفطنة وصدق الحدس ، ولهم علوم وصناعات خاصّة بهم ، ولهم قلم يكتبون به من اليمين إلى الشّمال كما في العربيّ ، عدّة حروفه ستّة عشر حرفا ، لكل حرف منها سبعة فروع ، فيكون عدّتها مائة واثنين وثمانين حرفا ، سوى حروف أخر مستقلَّة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المذكورة ، مضبوطة بحركات نحوية متصلة بالخط لا منفصلة عنه . ومع كونهم جنسا واحدا فلغاتهم تزيد على خمسين لسانا ، ويميل الكثير من ألوانهم إلى الصّفاء ، ولكل طائفة منهم وسم في وجوههم يعبر عنه بالتلعيط ، بعضهم يسم في الخدّين وسما خفيفا ، وأمحرا يسمون في الخدّين والجبهة إلى الأنف خطوطا طوالا . ويقال : إن أوّل بلادهم من الجهة الغربيّة بلاد التّكرور مما يلي جهة اليمن ، وأوّلها من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن ، وفيها يمرّ النهر المسمّى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر . وقد عدّ منها أحد عشر إقليما من جهة الغرب بمفازة بمكان يسمّى ( وادي بركة ) يتوصّل منه إلى إقليم يسمّى ( سحرت ) ويسمّى قديما تكراي ، وكان به في الزمن القديم مدينة اسمها ( احسرم ) بلغة أخرى من لغاتهم ، وتسمّى أيضا ( زرفرتا ) . بها كان كرسيّ ملك النّجاشيّ ، وكان مستوليا على أقاليم الحبشة . ويليه من جهة الشرق إقليم ( أمحرا ) الذي به الآن مدينة المملكة ، ثم
--> ( 1 ) لأمة : عدة الحرب والدّرع . وجمعها لؤم .