أحمد بن علي القلقشندي
284
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فلما صار إلى الحضرة السلطانية . قيل له : قبّل الأرض ، فتوقف وأبى إباء ظاهرا . وقال : كيف يجوز هذا ؟ فأسرّ إليه رجل كان إلى جانبه كلاما - فقال : أنا أسجد للَّه الذي خلقني وفطرني ثم سجد ، وتقدّم إلى السلطان ، فقام له بعض القيام وأجلسه إلى جانبه وتحدّثا طويلا ، ثم قام السلطان موسى فبعث إليه السلطان بالخلع الكاملة له ولأصحابه ، وخيلا مسرجة ملجمة . وكانت خلعته طرد وحش بقصب كثير ، بسنجاب مقندس ، مطرّز بزركش ، على مفرج إسكندري ، وكلَّوتة زركش ، وكلاليب ذهب ، وشاش بحرير ، ورقم خليفتيّ ، ومنطقة ذهب مرصّعة ، وسيف محلَّى ، ومنديل مذهب خزّ ، وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب بغل محلَّاة وأعلام ، وأجرى عليه الأنزال والإقامات الوافرة مدّة مقامه . ولما آن أوان الحج بعث إليه بمبلع كبير من الدراهم ، وهجن ( 1 ) جليلة كاملة الأكوار والعدّة لمركبه ، وهجن أتباع لأصحابه وأزواد جمة ، وركز له العليق في الطَّرق ، وأمر أمير الركب بإكرامه واحترامه . ولما عاد ، بعث إلى السلطان من هديّة الحجاز تبرّكا ، فبعث إليه بالخلع الكاملة له ولأصحابه ، والتّحف والألطاف ، من البزّ السّكندريّ والأمتعة الفاخرة ، وعاد إلى بلاده . وذكر عن ابن أمير حاجب والي مصر أنه كان معه مائة حمل ذهبا أنفقها في سفرته تلك على من بطريقه إلى مصر من القبائل ثم بمصر ، ثم من مصر إلى الحجاز توجّها وعودا حتّى احتاج إلى القرض ، فاستدان على ذمّته من تجّار مصر بمالهم عليه فيه المكاسب الكثيرة ، بحيث يحصل لأحدهم في كلّ ثلاثمائة دينار سبعمائة دينار ربحا ، وبعث إليهم بذلك بعد توجّهه إلى بلاده . قال في « العبر » ويقال : إنه كان يحمل آلته اثنا عشر ألف وصيفة لا بسات أقبية الدّيباج .
--> ( 1 ) هجن : خيل هجن أي الخيل التي ولدت من برذونة من حصان عربي . انظر لسان العرب ، مادة ( هجن ) .