أحمد بن علي القلقشندي
266
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولما خاف بنو أيّوب نور الدّين الشهيد صاحب الشام على أنفسهم حين همّ بقصدهم ، بعث السلطان صلاح الدّين أخاه شمس الدولة ( 1 ) إلى ( النّوبة ) ليأخذها لتكون موئلا لهم إذا قصدهم ، فرأوها لا تصلح لمثلهم ، فعدلوا إلى اليمن واستولوا عليها ، وجعلوها كالمعقل لهم . قال ابن سعيد : ودين أهل هذه البلاد النصرانية . قال في « مسالك الأبصار » : ومن هذه البلاد نجم « لقمان الحكيم » ثم سكن مدينة أيلة ، ثم دخل إلى بيت المقدس . ومنها أيضا « ذو النون المصريّ » ( 2 ) الزاهد المشهور ، وإنما سمي المصريّ لأنه سكن مصر فنسب إليها . وكان ملوكها في الزمن القديم وسائر أهلها على دين النّصرانية ، فلما فتح عمرو بن العاص ( 3 ) رضي اللَّه عنه مصر غزاهم . قال في « الروض المعطار » : فرآهم يرمون الحدق بالنّبل ، فكفّ عنهم ، وقرّر عليهم إتاوة في كل سنة . قال صاحب « العبر » وعلى ذلك جرى ملوك مصر بعده ، وربما كانوا يماطلون بذلك ويمتنعون من أدائه ، فتغزوهم عساكر المسلمين من مصر حتى يطيعوا ، إلى أن كان ملكهم في أيام الظاهر بيبرس ( 4 ) رحمه اللَّه ، رجلا اسمه ( مرقشنكز ) وكان له ابن أخ اسمه ( داود ) فتغلب عليه ، وانتزع الملك من يده ، واستفحل ملكه بها ، وتجاوز حدود مملكته قريب ( أسوان ) من آخر صعيد الدّيار المصرية ؛ فقدم ( مرقشنكز ) المذكور على الظاهر بيبرس بالدّيار المصرية ، واستنجده على ابن أخيه ( داود ) المذكور ، فجهّز معه العساكر إلى بلاد النّوبة ، فانهزم ( داود ) ولحق بمملكة الأبواب من بلاد السّودان ، فقبض عليه ملكها وبعث به مقيّدا إلى الظاهر بيبرس ،
--> ( 1 ) سبق التعريف به . ( 2 ) هو : ذو النون المصري ، ثوبان بن إبراهيم الإخميميّ المصري أبو الفيّاض ، أو أبو الفيض : أحد الزهاد العباد المشهورين . توفي سنة 245 ه . أنظر ميزان الاعتدال ( ج 1 ، ص 331 ) . ولسان الميزان ( ج 2 ، ص 437 ) والأعلام ( ج 2 ، ص 102 ) ( 3 ) هو : عمرو بن العاص بن وائل السهميّ القرشيّ أبو عبد اللَّه : فاتح مصر وأحد عظماء العرب ودهاتهم . انظر تاريخ الإسلام للذهبي ( ج 2 ، ص 235 - 240 ) والأعلام ( ج 5 ، ص 79 ) ( 4 ) هو : الظاهر بيبرس العلائي البندقداري الصالحي ركن الدولة : صاحب الفتوحات والأخبار . توفي سنة 676 ه . أنظر فوات الوفيات ( ج 1 ، ص 85 ) والأعلام ( ج 2 ، ص 79 )