أحمد بن علي القلقشندي
232
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ثم ولي بعده رجل اسمه ( لذريق ) سنتين ، وهو الذي غلبه المسلمون على الأندلس وفتحوها منه ، وهو آخر من ملك منهم . قال صاحب « الروض المعطار » : وعدد من ملك منهم إلى آخرهم وهو ( لذريق ) ستة وثلاثون ملكا . الطبقة الخامسة ( ملوكها على أثر الفتح الإسلاميّ ) وكان فتحها في خلافة الوليد بن عبد الملك ( 1 ) : أحد خلفاء بني أميّة في سنة اثنتين وتسعين ، وكان من أمر فتحها أن طليطلة كانت دار الملك بالأندلس يومئذ ، وكان بها بيت مغلق متحامى الفتح ، يلزمه من ثقات القوط قوم قد وكَّلوا به كي لا يفتح ، يعهد الأوّل بذلك للآخر ، كلَّما ملك منهم ملك زاد على ذلك البيت قفلا . فلما ولي « لذريق » الأخير ، عزم على فتح الباب والاطَّلاع على ما في البيت ، فأعظم ذلك أكابرهم وتضرّعوا إليه في الكفّ ، فأبى وظنّ أنه بيت مال ، ففضّ الأقفال عنه ودخله ، فأصابه فارغا لا شيء فيه إلا تابوتا عليه قفل ، فأمر بفتحه فألفاه أيضا فارغا ليس فيه إلا شقّة مدرجة قد صوّرت فيها صور العرب على الخيول ، وعليهم العمائم متقلَّدو السيوف متنكَّبو القسيّ ، رافعو الرايات على الرّماح ، وفي أعلاه كتابة بالعجمية فقرئت فإذا هي « إذا كسرت هذه الأقفال عن هذا البيت ، وفتح هذا التابوت ، فظهر ما فيه من هذه الصور فإن الأمّة المصوّرة فيه تغلب على الأندلس وتملكها » فوجم لذريق وعظم غمّه وغم الأعاجم ، وأمر بردّ الأقفال ، وإقرار الحرس على حالهم . وكان من سير الأعاجم أن يبعث أكابرهم بأولادهم ذكورا كانوا أو إناثا إلى بلاط الملك ، ليتأدّبوا بأدبه ، وينالوا من كرامته حتّى إذا بلغوا أنكح بعضهم بعضا استئلافا لآبائهم . وكان للذريق عامل على سبتة من برّ العدوة يسمّى يليان ، وله ابنة
--> ( 1 ) هو الوليد بن عبد الملك بن مروان أبو العباس : من ملوك الدولة الأموية في الشام . في عهده فتحت الأندلس . توفي سنة 96 ه . أنظر المسعودي ( ج 2 ، ص 119 ) والأعلام ( ج 8 ، ص 121 )