أحمد بن علي القلقشندي
430
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الثانية فيما يدخل في هذه المملكة من الأقاليم العرفية ، وهي سبعة أقاليم الإقليم الأوّل منها ما وراء النهر قال في « تقويم البلدان » : والذي ظهر لنا في تحديد ما وراء النهر أنه يحيط به من جهة الغرب حدود خوارزم ، ومن الجنوب نهر جيحون من لدن بذخشان إلى أن يتصل بحدود خوارزم ، فإن جيحون في الجملة يجري من الشرق إلى الغرب ، وإن كان يعرض فيه عطفات تجري جنوبا مرة وشمالا أخرى . ثم قال : أما حدوده من الشرق والشّمال فلم تتضح لي . قال صاحب « كتاب أشكال الأرض » : وما وراء النهر من أخصب الأقاليم منزلة ، وأنزهها وأكثرها خيرا ، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير ، واستجابة لمن دعاهم ، مع قلة غائلة ، وسلامة ناحية ، وسماحة بما ملكت أيديهم ؛ مع شدّة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدّة وعدّة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح ؛ وليس من إقليم إلا ويقحط أهله مرارا قبل أن يقحط ما وراء النهر مرة واحدة ، ثم إن أحسّوا ببرد أو بجراد أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم ، ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم ما يقوم بأودهم حتّى يستغنوا به عن شيء ينقل إليهم من غير بلدهم ، قال : وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى أو مراع لسوائمهم ؛ وليس من شيء لا بدّ للناس منه إلا وعندهم منه ما يقيم أودهم ويفضل عنهم لغيرهم ؛ ومياههم أعذب المياه وأبردها وأخفّها ، وقد عمّت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن ( 1 ) من الجدّ في جميع أقطارها ، والثلوج من جميع نواحيها ، والغالب على أهل المال والثروة بها صرف المال في عمل المدارس وبناء الرّبط وعمارة الطرق ، والأوقاف على سبل الجهاد ووجوه الخير ، وعقد القناطر ، إلا القليل من ذوي البطالة .
--> ( 1 ) لعله : فكان ذلك داعية إلى التمكن الخ .