أحمد بن علي القلقشندي
426
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بها أسواق لا ينكر أحد على أحد ، بل كل أحد وما استحسن ، إلا أن الأسعار تغلو حتّى يصير الشيء بقيمة مثليه أو أكثر لكلفة الحمل ومشقّة السفر ، وذكر أنه كان من عادة سلطانهم أنه لا يعمل موكبا ، ولا يجلس لخدمة ولا لقراءة قصص حكمية وإبلاغ مظالم إليه ، بل له من أبناء الأمراء خاصة له يقال لهم الإينافية ، يكونون حوله لا يكاد منهم من يفارقه . فأما الأمراء فإنهم يركبون في غالب الأيام على نحو عشرين غلوة ( 1 ) سهم منها إلى باب الكرباس ( 2 ) ، وتنصب لهم هناك كراسيّ صندلية ، يجلس كل أمير منهم على كرسيّ منها بحسب مراتبهم : الأعلى ثم الأدنى ، ويدخل الوزير في بكرة كل يوم على القان ، ويبقى الأمراء على باب الكرباس ، فإما أن يخرج لهم القان ، وإما أن يأذن لهم في الدّخول ، أو لا هذا ولا هذا . فإذا حضر طعام القان بعث إلى كل أمير منهم شيئا للأكل بمفرده يأكله هو ومن انضم معه ، فيأكلون ثم يتفرّقون ويذهبون إلى حالهم ، ومن تأخر منهم عن الحضور لم يطلب بحضور إلا أن تدعو الحاجة . أما الظَّلامات فإن كانت متعلَّقة بالعسكرية ؛ فإلى أمير الألوس . وإن كانت متعلَّقة بالبلاد والأموال أو الرعايا ، فإلى الوزير ، بل أكثر الظَّلامات لا يفصلها إلا الوزير لملازمته باب القان ، بخلاف أمير الألوس لقلة ملازمته ، ثم قال : وليس في هذه البلاد قاعدة محفوظة ، بل كل من انضوى إلى خاتون من الخواتين أو أمير من الأمراء أو كبير من الخواجكية ، قام بأمره إما في قضاء حاجة يطلبها . أو إزالة ظلامة يشكوها . حتّى إن من الخواتين والأمراء من يقتل ويوسّط بيده بغير أمر القان ولا أمير الألوس .
--> ( 1 ) الغلوة : مقدار رمية سهم ( وسيط : 660 ) . ( 2 ) الكرباس : راووق الخمر . ( وسيط : 781 ) .