أحمد بن علي القلقشندي
307
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقد حكى ابن النجار في « تاريخ المدينة » ( 1 ) أن أوّل من كسا الحجرة الشريفة الثياب الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح طلائع بن رزيك وزير العاضد ، والعاضد آخر الخلفاء الفاطميين ، عمل لها ستارة من الدبيقيّ ( 2 ) الأبيض عليها الطرز والجامات ( 3 ) المرقومة بالإبريسم ( 4 ) الأصفر والأحمر ، مكتوب عليها سورة يس بأسرها ؛ والخليفة العباسيّ يومئذ المستضيء بأمر اللَّه . ولما جهزها إلى المدينة ، امتنع قاسم بن مهنا أمير المدينة يومئذ من تعليقها حتّى يأذن فيه المستضيء فنفّذ الحسين بن أبي الهيجاء قاصدا إلى بغداد في استئذانه في ذلك فأذن فيه ، فعلقت الستارة على الحجرة الشريفة نحو سنتين . ثم بعث المستضيء ستارة من الإبريسم البنفسجيّ عليها الطرز والجامات البيض المرقومة ، وعلى دور جاماتها مرقوم « أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ » وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء باللَّه ، فقلعت الأولى ونفذت إلى مشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه بالكوفة ، وعلقت ستارة المستضيء مكانها . ثم عمل الناصر لدين اللَّه في خلافته ستارة أخرى من الإبريسم الأسود فعلَّقت فوق تلك . ثم عملت أمّ الخليفة الناصر بعد حجها ستارة على شكل ستارة ابنها المتقدّمة الذكر فعلقت فوق الستارتين السابق ذكرهما . قال ابن النجار : ولم يزل الخلفاء في كل سنة يرسلون ثوبا من الحرير الأسود عليه علم ذهب يكسى به المنبر . قال : ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم ، ولم يزل الأمر على ذلك إلى حين انقراض الخلافة من بغداد ، فتولى ملوك الديار المصرية ذلك كما تولَّوا كسوة الكعبة على ما تقدّم ذكره .
--> ( 1 ) راجع حاشية الصفحة 281 من هذا الجزء . ( 2 ) ثياب تنسب إلى دبيق ، قرية بمصر . ( الوسيط : 270 ) . ( 3 ) جمع جام ، وهو إناء للشراب من فضة أو نحوها . ( الوسيط : 149 ) . ( 4 ) وهو أجود أنواع الحرير . ( الوسيط : 2 ) .