أحمد بن علي القلقشندي
29
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مشاورة واستقلالا . قلت : ولما عادت الوزارة بعد ذلك ، صارت إلى ما كانت عليه من الاقتصار على التحدّث في المال ، وبقيت كتابة السر على ما صارت إليه من التوقيع على القصص بدار العدل وغيرها . ثم إن كان الوزير صاحب قلم ( 1 ) ، فهو المستقلّ بمباشرة الوظيفة نظرا وتنفيذا ومحاسبة على الأموال ، وإن كان صاحب سيف ، كان مقتصرا على النظر والتنفيذ ، وكان أمر الحساب في الأموال راجعا إلى ناظر الدولة معه . ثم لوظيفة الوزارة أتباع كثيرة أجلها نظر الدولة واستيفاء الصّحبة واستيفاء الدولة . فأما نظر الدولة : وهو المعبر عنه في مصطلح الدواوين المعمورة بالصّحبة الشريفة فموضوعها أن صاحبها يتحدّث مع الوزير في كل ما يتحدّث فيه ويشاركه في الكتابة في كل ما يكتب فيه ، ويوقع في كل ما يوقّع فيه الوزير تبعا له . وإن كان الوزير صاحب سيف ، كان ناظر الدولة هو المتحدّث في أمر الحسبانات ، وما يتعلق بها والوزير مقتصر على النظر والتنفيذ . وأما استيفاء الصحبة - فهي وظيفة جليلة رفيعة القدر . قال في « مسالك الأبصار » : وصاحبها يتحدّث في جميع المملكة مصرا وشاما ، ويكتب مراسيم يعلَّم عليها السلطان ، تارة تكون بما يعمل في البلاد ، وتارة بإطلاقات ( 2 ) ، وتارة باستخدامات كبار في صغار الأعمال ، وما يجري مجراه . قال : وهذا الديوان هو أرفع دواوين الأموال ، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية ، وكلّ من دواوين الأموال فهو فرع هذا الديوان وإليه يرجع حسابه وتتناهى أسبابه .
--> ( 1 ) كان يقال له في هذه الحال : « الصاحب » ، بخلاف ما إذا كان من أرباب السيوف فإنه لا يقال له الصاحب . ( المقريزي : 2 / 223 ) . ( 2 ) جمع إطلاق ومعناه إما تقرير عدل لما قرّره أحد الملوك السالفة أو ابتداء في معروف أو زيادة في إحسان على ما كان مقررا . ومن معانيها أيضا قطعة أرض تمنح وتعفى من جميع الضرائب . ( مصطلحات الصبح : ص 36 ) .