أحمد بن علي القلقشندي
238
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أطراف حلب والروم ، ولهم غزوات عظيمة معلومة وغارات لا نعدّ ، ولا تزال تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم ، ويتكلمون بالتركية ويركبون الأكاديش ، وهم عرب غزو ، ورجال حروب ، وأبطال جيوش ، وهم من أشدّ العرب باسا ، وأكثرهم ناسا . قال : ولإفراط نكايتهم في الرّوم صنّفت السيرة المعروفة « بدلهمة ( 1 ) والبطَّال » منسوبة إليهم بما فيها من ملح الحديث ولمح الأباطيل ( 2 ) ؛ ولكنهم لا يدينون لأمير منهم يجمع كلمتهم ، ولو انقادوا لأمير واحد لم يبق لأحد من العرب بهم طاقة . قال الحمدانيّ : وكان بنو كلاب قد ظهروا على آل ربيعة ، وذلك أن الملك الكامل كان طلب من ماتع ( 3 ) بن حديثة ( 4 ) وغنّام بن الظاهر جمالا يحمل عليها غلالا إلى خلاط يقوتها ( 5 ) بها ، فاحتج بغيبة جماله في البرية ، وكان بعض بني كلاب حاضرا فتكفّل له بحاجته من الجمال ووفى له بذلك ، فحقد بها الملك الكامل على ماتع بن حديثة وغنام بن الظاهر واستوحشا منه ثم أتياه عند أخذه آمد ، فوبّخهما فخرجا خائفين منه إلى أن فتح دمشق فأتياه بأنواع التّقادم وتقرّبا إليه بالخدمة . قال : وكانت بنو كلاب تخدم الملك الأشرف موسى ( 6 ) وتصحبه لمتاخمة بلاد الروم . قال في « مسالك الأبصار » : وكان سلطاننا يعني الناصر محمد بن قلاوون لا يزال ملتفتا إلى تألَّف بني كلاب هؤلاء ، وكان أحمد بن نصير المعروف بالتّتريّ قد عاث في البلاد والأطراف واشتدّ في قطع الطريق ، فأمّنه وخلع عليه وأقطعه فانقادت بنو كلاب للطاعة ، وكان الملك الناصر قد أمّر عليهم سليمان بن مهنّا
--> ( 1 ) هي السيرة المشهورة الآن « بذات الهمة » وقد طبعت في مصر وانتشرت في أيدي العامة . وهي في بابها لا بأس بها . ( 2 ) وأضاف : « والكذب فيها يغلب الصحيح » . ( مسالك الأبصار : 143 ) . ( 3 ) في « مسالك » : 144 « مانع - بالنون - وحديثة ، بضم الحاء وفتح الدال » . ( 4 ) في « مسالك » : 144 « مانع - بالنون - وحديثة ، بضم الحاء وفتح الدال » . ( 5 ) في المرجع السابق : « يقوّيها » . ( 6 ) هو الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب المتوفى سنة 635 ه .