أحمد بن علي القلقشندي
113
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكأنه يشير بذلك إلى ما قصه اللَّه تعالى في سورة الصافّات بقوله : * ( أَتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ) * ( 1 ) وكان فتحها في سنة أربع عشرة من الهجرة ؛ وهي مدينة من أعمال دمشق واقعة في الإقليم الرابع طولها ستون درجة ، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وخمسون دقيقة ، وهي مدينة شماليّ دمشق ، جليلة البناء ، نبيهة الشان ، قديمة البنيان ، يقال إنها من بناء سليمان عليه السلام . قال في « مسالك الأبصار » : وهي مختصرة من دمشق في كمال محاسنها وحسن بنائها وترتيبها ؛ بها المساجد والمدارس والرّبط والخوانق والزوايا والبيمارستان والأسواق الحسنة ، والماء جار في ديارها وأسواقها ، وفيها يعمل الدهان الفائق من الماعون وغيره ويحمل منها إلى غالب البلدان مع كونها واسعة الرزق رخيصة السّعر ، وكانت دار ملك قديم ، ومن عشّها درج « نجم الدين أيوب » والد الملوك الأيوبية رحمه اللَّه ، وبها قلعة حصينة جليلة المقدار من أجلّ البنيان وأعظمه ، وهي مرجلة على وجه الأرض كقلعة دمشق . قال في « التعريف » : بل إنما بنيت قلعة دمشق على مثالها ، وهيهات لا تعدّ من أمثالها ! وأين قلعة دمشق منها وحجارتها تلك الجبال الثوابت ، وعمدها تلك الصخور النوابت . قد يبعد الشّيء من شيء يشابهه إنّ السّماء نظير الماء في الزّرق وبهذه القلعة من عمارة من نزل بها من الملوك الأيوبية آثار ملوكية جليلة ، ويستدير بالمدينة والقلعة جميعا سور عظيم البناء مبنيّ بالحجارة العظيمة المقدار الشديدة الصّلابة ، ويحف بذلك غوطة عظيمة أنيقة ذات بساتين مشتبكة الأشجار بها الثمار الفائقة ، والفواكه المختلفة . وبظاهرها عين ( 2 ) ماء متسعة الدائر ماؤها في غاية الصفاء بين مروج وبساتين ، يمتدّ منها نهر يتكسّر على الحصباء في خلال تلك المروج إلى أن يدخل المدينة ، وينقسم في بيوتها وجهاتها . وعلى البعد منها عين أخرى تعرف بعين اللحوج ( ؟ ) في طرف بساتينها ، منها فرع إلى الجانب
--> ( 1 ) الصافات / 125 . ( 2 ) هو نبع رأس العين الكبير الذي ينبثق عند سطح سلسلة جبال لبنان الشرقية .