أحمد بن علي القلقشندي
596
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أكمام ثيابه التي يلبسها في المواكب ، وكان من شأنه أنه لا ينصرف من مكان إلى مكان في القصر في ليل أو نهار إلا وهو راكب ، ولا يقتصر في القصر على ركوب الخيل بل يركب البغال والحمير الإناث لما تدعوه الضرورة إليه من الجواز في السراديب القصيرة والطلوع على الزلاقات إلى أعلى المناظر والمساكن ، وله في الليل نسوة برسم شدّ ما يحتاج إلى ركوبه من البغال والحمير ، وفي كل محلة من محلات القصر فسقيّة مملوءة بالماء خيفة من حدوث حريق في الليل ، ويبيت خارج القصر في كل ليلة خمسون فارسا للحراسة . فإذا أذّن بالعشاء الآخرة داخل قاعة الذهب وصلَّى الإمام الراتب فيها بالمقيمين من الأستاذين وغيرهم ، ووقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدولة - مقام أمير جاندار الآن - فإذا علم بفراغ الصلاة تضرب البوقية من الطبول والبوقات وتوابعها على طريق مستحسنة ساعة زمانية ، ثم يخرج أستاذ برسم هذه الخدمة فيقول : « أمير المؤمنين يرد على سنان الدولة السلام » فيغرز سنان الدولة حربة على الباب ثم يرفعها بيده ، فإذا رفعها أغلق الباب ، ودار حول حول القصر سبع دورات . فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البوّابين والفرّاشين وأوى المؤذّنون إلى خزائن لهم هناك وترمى السلسلة عند المضيق ، آخر بين القصرين عند السيوفيين فينقطع المارّ من ذلك المكان إلى أن تضرب البوقية سحرا قرب الفجر فترفع السلسلة ويجوز الناس من هناك . الجملة السادسة في اهتمامهم بالأساطيل وحفظ الثغور واعتنائهم بأمر الجهاد ، وسيرهم في رعاياهم ، واستمالة قلوب مخالفيهم أما اهتمامهم بالأساطيل وحفظ الثغور - واعتناؤهم بأمر الجهاد ، فكان ذلك من أهم أمورهم ، وأجلّ ما وقع الاعتناء به عندهم . وكانت أساطيلهم ( 1 ) مرتبة بجميع بلادهم الساحلية كالإسكندرية ودمياط من الديار المصرية ، وعسقلان وعكَّا
--> ( 1 ) كانت قوة الأسطول في زمن المعزّ كبيرة إذ يذكر المقريزي أن المعز أنشأ في صناعة المقس ستمائة مركب لم ير مثلها في البحر على ميناء .