أحمد بن علي القلقشندي

591

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بشاطيء النيل ، وقد حمل إليه من القصر بيت مثمن من العاج والآبنوس كل جانب منه ثلاثة أذرع ، وطوله قامة رجل تام ، فيركب في العشاريّ المذكور وعليه قبة من خشب محكم الصنعة ، وهو وقبّته ملبّس صفائح الفضة المذهبة ، ثم يخرج الخليفة من دار الملك المذكور ومعه من الأستاذين المحنّكين من يختاره من ثلاثة إلى أربعة ، ثم يطلع خواصّ الخليفة إلى العشاريّ والوزير ومعه من خواصّه اثنان أو ثلاثة لا غير ، فيجلس الوزير في رواق بظاهر البيت المذكور ، بفوانيس من خشب مخروط مدهونة مذهبة ، بستور مسدلة عليه ، ويسير العشاريّ من باب المنظرة إلى باب المقياس العالي على الدّرج ، فيطلع من العشاريّ ، ويدخل إلى الفسقية التي فيها المقياس ، والوزير والأستاذون المحنكون بين يديه ، فيصلَّي هو والوزير كلّ منهما ركعتين بمفرده ، ثم يؤتى بالزّعفران والمسك فيديفه في إناء بيده بآلة معه ، ويتناوله صاحب بيت المال فيناوله لابن أبي الرّداد ، فيلقي نفسه في الفسقية بثيابه فيتعلق في العمود برجليه ويده اليسرى ويخلَّقه بيده اليمنى ، وقرّاء الحضرة من الجانب الآخر يقرأون القرآن ؛ ثم يخرج على فوره راكبا في العشاري المذكور ، ثم يعود إلى دار الملك ، ويركب منها عائدا إلى القاهرة ؛ وتارة ينحدر في العشاريّ إلى المقس ، ويتبعه الموكب فيسير من هناك إلى القاهرة . ويكون في البحر ذلك اليوم نحو ألف مركب مشحونة بالناس للتفرّج وإظهار الفرح . فإذا كان اليوم الثاني من التخليق أتى ابن أبي الردّاد إلى الإيوان الكبير الذي فيه الشّبّاك بالقصر فيجد خلعة مذهبة بطيلسان مقوّر ، ويدفع إليه خمسة أكياس في كل كيس خمسمائة درهم مهيأة له ، فيلبس الخلعة ، ويخرج من باب العيد المتقدّم ذكره في أبواب القصر ، وقد هييء له خمسة بغال على ظهورها الأحمال المزيّنة بالحليّ ، على ظهر كل منها راكب وبيده أحد الأكياس الخمسة المتقدّمة الذكر ظاهر في يده ، وأقاربه وبنو عمه يحجبونه وأصدقاؤه حوله ، وأمامه حملان من النّقّارات