أحمد بن علي القلقشندي

589

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الوزير راكبا على الباب المذكور ، فيترجّل الوزير ، ويمشي في خدمته إلى المنحر ( 1 ) ، وهو خارج الباب المذكور . وكان إذ ذاك الفضاء واسعا لابناء فيه ، وهناك مصطبة مفروشة فيطلع عليها الخليفة والوزير وقاضي القضاة والأستاذون المحنّكون وأكابر الدولة ، ويكون قد سبق إلى المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة للأضحية ، وبيده حربة ، وقاضي القضاة ممسك بأصل سنانها ، وتقدم إليه الأضحية رأسا رأسا فيجعل القاضي السنان في نحر النحيرة ويطعن به الخليفة في لبّتها ( 2 ) ، فتخرّ بين يديه حتّى يأتي على الجميع ، ثم يسيّر رسوم الأضحية إلى أرباب الرسوم المقررة ، وفي اليوم الثاني يساق إلى المنحر سبعة وعشرون رأسا ، ويركب الخليفة فيفعل بها كذلك ، وفي اليوم الثالث يساق إليه ثلاث وعشرون رأسا فيفعل بها كذلك . فإذا انقضى ذلك في اليوم الثالث وعاد الخليفة إلى القصر خلع على الوزير ثيابه الحمر التي كانت عليه يوم العيد ، ومنديلا بغير اليتيمة والعقد المنظوم بالجوهر ، ويركب الوزير بالخلعة من القصر ، ويشق القاهرة بالشارع سالكا إلى الخليج فيسير عليه حتّى يدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة ، وبذلك انفصال العيد . ثم أول نحيرة تنحر تقدّد وتسيّر إلى داعي اليمن فيفرّقها على المعتقدين من وزن نصف درهم إلى وزن ربع درهم ، وباقي ذلك يفرّق على أرباب الرسوم في أطباق للبركة ، وأكثره يفرّقه قاضي القضاة وداعي الدّعاة على الطلبة بدار العدل والمتصدّرين بجوامع القاهرة ، وفي اليوم الأول يمدّ السماط بقاعة الذهب على ما تقدّم في عيد الفطر من غير فرق .

--> ( 1 ) المنحر وهو الموضع الذي اتخذه الخلفاء لنحر الأضاحي في عيدي الأضحى والغدير . وكان موضع المنحر أرض فضاء بالدرب الأصفر ، ومحله اليوم مجموعة المباني الواقعة غرب جامع سعيد السعداء بين شارعي الدرب الأصفر والتمبكشية بقسم الجمالية . ( حاشية الطبعة الأميرية : 3 / 511 ) . ( 2 ) أي منحرها جمعها لبّات ولباب . ( اللسان : 1 / 733 ) .