أحمد بن علي القلقشندي

584

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فعل ، وتحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب واسفهسلار وصبيان الخاصّ ، وغيرهم ممن يجري مجراهم من أوّلها إلى آخرها ، وكذلك من داخلها من باب خروجه إلى المنبر . فإذا أذّن للجمعة دخل إليه قاضي القضاة ، فقال : « السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي الخطيب ورحمة اللَّه وبركاته ، الصلاة يرحمك اللَّه » فيخرج ماشيا وحواليه الأستاذون المحنّكون والوزير وراءه ، ومن يليهم من الأمراء من صبيان الخاص ، وبأيديهم الأسلحة حتّى ينتهي إلى المنبر فيصعد حتّى يصل إلى الذّروة تحت القبة المبخّرة ، والوزير على باب المنبر ووجهه إليه . فإذا استوى جالسا أشار إلى الوزير بالصعود فيصعد إلى أن يصل إليه ، فيقبّل يديه ورجليه بحيث يراه الناس ، ثم يزرّ عليه تلك القبة وتصير كالهودج ، ثم ينزل مستقبلا للخليفة ويقف ضابطا للمنبر فإن لم يكن وزير صاحب سيف ، كان الذي يزرّ عليه قاضي القضاة ، ويقف صاحب الباب ضابطا للمنبر ، فيخطب خطبة قصيرة من سفط يأتي إليه من ديوان الإنشاء ، ويقرأ فيها آية من القرآن الكريم ، ثم يصلي فيها على أبيه وجده يعني النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وعلي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه ، ويعظ الناس وعظا بليغا قليل اللفظ ، ويذكر من سلف من آبائه حتّى يصل إلى نفسه فيقول : « اللهم وأنا عبدك وابن عبديك لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا » ويتوسل بدعوات فخمة تليق به ، ويدعو للوزير إن كان ثمّ وزير وللجيوش بالنصر والتآلف ، وللعساكر بالظَّفر ، وعلى الكافرين والمخالفين بالهلاك والقهر ، ثم يختم بقوله اذكروا اللَّه يذكركم ( 1 ) فيطلع إليه من زرّ عليه فيفكّ ذلك التزرير عنه ، وينزل القهقرى ، فيدخل المحراب ويقف على تلك الطراحات إماما والوزير وقاضي القضاة صفّا ، ومن ورائهما الأستاذون المحنكون والأمراء المطوّقون وأرباب الرّتب من أصحاب السيوف والأقلام والمؤذّنون وقوف وظهورهم لحائط المقصورة ، والجامع مشحون بالعالم للصلاة وراءه فيقرأ في الركعة الأولى ما هو مكتوب في الستر الأيمن ، وفي الثانية ما في الستر الأيسر . فإذا

--> ( 1 ) نص الآية 152 من سورة البقرة : « فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون » .