أحمد بن علي القلقشندي
429
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومما يتصل بهذه القواعد الثلاث ويلتحق بها « القرافة » التي هي مدفن أمواتها ، وهي تربة عظيمة ممتدّة في سفح المقطَّم ، موقعها بين المقطم والفسطاط وبعض القاهرة ، تمتدّ من قلعة الجبل المتقدّم ذكرها آخذة في جهة الجنوب إلى بركة الحبش وما حولها . وكان سبب جعلها مقبرة ما رواه ابن الحكم عن الليث بن سعد : أن المقوقس سأل عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار ، فتعجب عمرو من ذلك ، وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في ذلك ، فكتب إليه عمر : أن سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها ؛ فسأله ، فقال : إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة ، فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في ذلك ، فكتب إليه عمر : « إنّي لا أرى غرس الجنة إلا للمؤمنين فاقبر بها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعها بشيء » فقال المقوقس لعمر : ما على ذا عاهدتنا ، فقطع لهم قطعة تدفن فيها النصارى ، وهي التي على القرب من بركة الحبش ، وكان أول من قبر بسفح المقطم من المسلمين رجلا من المعافر اسمه عامر ، فقيل عمرت . ويروى أن عيسى عليه السلام مرّ على سفح المقطم في سياحة ومعه أمّه ، فقال : « يا أمّاه ! هذه مقبرة أمّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم » . وفيها ضرائح الأنبياء عليهم السلام كإخوة يوسف وغيرهم . وبها قبر آسية امرأة فرعون ، ومشاهد جماعة من أهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزّهّاد والأولياء . وقد بنى الناس بها الأبنية الرائقة ، والمناظر البهجة ، والقصور البديعة ، يسرح الناظر في أرجائها ، ويبتهج الخاطر برؤيتها ؛ وبها الجوامع والمساجد والزوايا والرّبط والخوانق ، وهي في الحقيقة مدينة عظيمة إلا أنها قليلة الساكن ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال في الخطط التوفيقية : « ودفن الموتى الآن في خمسة محلات خارج البلد وهي : قرافة السيدة نفيسة ، وقرافة الإمام الشافعي وبها مدفن الفامليا ، وقرافة باب الوزير ، وقرافة المجاورين وقايتباي ، وقرافة باب النصر . وامتنع الدفن داخل البلد . وقد بطلت عدة مقابر وهي : مقبرة القاصد ، ومقبرة الأزبكية ومقبرة الرويعي ، ومقبرة السيدة زينب ، ومقبرة زين العابدين ، ومقبرة السبتية ببولاق . ( الخطط التوفيقية : 1 / 46 ، 47 ) .