أحمد بن علي القلقشندي

427

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الماء ينزل البقر فيه إلى معينها في مجاز ، وجميع ذلك نحت في الحجر ليس فيه بناء . قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر : وسمعت من يحكي من المشايخ أنها لما نقرت ، جاء ماؤها عذبا فأراد قراقوش أو نوّابه الزيادة في مائها فوسع نقرا في الجبل ، فخرجت منه عين مالحة غيرت عذوبتها . ويقال : إن أرضها تسامت أرض بركة الفيل ؛ وهذه البئر ينتفع بها أهل القلعة فيما عدا الشرب من سائر أنواع الاستعمالات . أما شربهم فمن الماء العذب المنقول إليها من النيل بالرّوايا ( 1 ) على ظهور الجمال والبغال مع ما ينساق إلى السلطان ودور أكابر الأمراء المجاورين للسلطان من ماء النيل في المجاري ، بالسواقي النّقّالات والدواليب التي تديرها الأبقار وتنقل الماء من مقرّ إلى آخر حتّى ينتهي إلى القلعة ، ويدخل إلى القصور والآدر في ارتفاع نحو خمسمائة ذراع . وقد استجدّ السلطان الملك الظاهر برقوق بهذه القلعة صهريجا عظيما يملأ في كل سنة زمن النيل من الماء المنقول إلى القلعة من السواقي النّقّالات ، ورتب عليه سبيلا بالدّركاه التي بها دار النيابة يسقى فيه الماء وحصل به للناس رفق عظيم . وتحت مشترف هذه القلعة مما يلي القصور السلطانية ميدان عظيم يحول بين الإصطبلات السلطانية وسوق الخيل ، ممرّج بالنجيل الأخضر ، فسيح المدى ، يسافر النظر في أرجائه ، به أنواع من الوحوش المستحسنة المنظر ، وتربط به الخواصّ من الخيول السلطانية للتفسح ؛ وفيه يصلي السلطان العيدين على ما سيأتي ذكره ؛ وفيه تعرض الخيول السلطانية في أوقات الإطلاقات ووصول التقادم والمشترى ، وربما أطعم فيه الجوارح السلطانية ؛ وإذا أراد السلطان النزول إليه خرج من باب إيوان القصر وركب من درج تليه إلى إصطبل الخيول الخاص ، ثم

--> ( 1 ) جمع : « راوية » ، وهي الوعاء الذي يكون فيه الماء ويسمى : المزادة ؛ ويحمل على ظهر البعير . ( اللسان : 14 / 346 ) .