أحمد بن علي القلقشندي

390

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أحسن الجوامع وأنزهها بقعة خصوصا في أيام زيادة النيل . وأما مساجد الخمس - فكانت على العدد ( 1 ) الذي لا يحصى لكثرتها ، وخطط القضاعي شاهدة بذلك . وقد رأيت في بعض التواريخ أن الفناء وقع في أيام كافور الإخشيدي حتى لم يجدوا من يقبل الزكاة ، فأتوا بها إلى كافور فلم يقبلها ، وقال : ابنوا بها المساجد واتخذوا لها الأوقاف ، فكان ذلك سبب زيادة الكثرة فيها ، ولكنها الآن قد خربت بخراب الفسطاط ودثرت ولم يبق إلا آثار القليل منها . وأما المدارس ( 2 ) - فكان المتقدّمون يجلسون للعلم بالجامع العتيق ؛ وأول من أحدث المدارس بالفسطاط بنو أيوب ، فعمر السلطان صلاح الدين رحمه اللَّه مدرستين : إحداهما - مدرسة المالكية ( 3 ) ، المعروفة بالقمحية في المحرم سنة ست وستين وخمسمائة ، وسميت بالقمحية لأن معلومها يصرف للمدرسين والطلبة قحما .

--> ( 1 ) وقد عدد ابن دقماق هذه المساجد في الانتصار من صفحة 59 إلى صفحة 92 . ( 2 ) كان المسجد للمسلمين مكان صلاتهم وعبادتهم ويأوون اليه لتلقي القرآن وعلومه ، والحديث وفنونه وعلوم اللسان . أما المدارس فمما حدث في الإسلام ولم تكن تعرف في زمن الصحابة والتابعين ، وإنما حدث إنشاؤها بعد القرن الرابع الهجري . ونقصد بالمدارس تلك الدور المنظمة التي يأوي إليها طلاب العلم وتدرّ عليهم فيها الأرزاق ويتولى التدريس لهم وتثقيفهم فئة صالحة من المدرسين والعلماء يوسّع عليهم في الرزق ويختارون بحسب شروط الواقف ممن يحسنون القيام بالغرض الذي ندبوا له ويجازون بما تعلموا من ضروب المعارف الإلهية والبشرية . وكانت هيئة المدارس في الجملة لا تختلف عن هيئة المساجد . ( راجع الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام ص 30 وما بعدها ) . ( 3 ) وقد زالت هذه المدرسة ، ومحلها اليوم أرض فضاء في الجهة الشرقية من جامع عمرو بمصر القديمة بجوار أقمان الجير والفواخير . ( الحياة العقلية : هامش ص 44 ) .