أحمد بن علي القلقشندي

378

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وذكر ابن حوقل ( 1 ) أنه كان بالفسطاط في زمانه دار تعرف بدار ابن عبد العزيز بالموقف ( 2 ) يصبّ لمن فيها من السكان في كل يوم أربعمائة راوية ماء ، وفيها خمسة مساجد وحمّامان وفرنان . قلت : ولم يزل الفسطاط زاهي البنيان ، باهي السّكَّان إلى أن كانت دولة الفاطميين بالديار المصرية ، وعمرت القاهرة على ما سيأتي ذكره فتقهقر حاله وتناقص ، وأخذ الناس في الانتقال عنه إلى القاهرة وما حولها ، فخلا من أكثر سكَّانه ، وتتابع الخراب في بنيانه ، إلى أن غلب ( 3 ) الفرنج على أطراف الديار المصرية في أيام العاضد ، آخر خلفاء الفاطميين ، ووزيره يومئذ شاور السعديّ ( 4 ) ، فخاف على الفسطاط أن يملكه الفرنج ويتحصنوا به ، فأضرم في مساكنه النار فأحرقها فتزايد الخراب فيه وكثر الخلق . ولم يزل الأمر على ذلك في تقهقر أمره إلى أن كانت دولة الظاهر بيبرس أحد ملوك التّرك بالديار المصرية ، فصرف الناس همتهم إلى هدم ما خلا من أخطاطه

--> ( 1 ) هو محمد بن حوقل البغدادي الموصلي ؛ رحالة من علماء البلدان . توفي بعد 367 ه . ( الأعلام : 6 / 111 ) . ( 2 ) كان فضاء لأم عبد اللَّه بنت مسلمة بن مخلد الأنصاري فتصدقت به على المسلمين ، فكان موقفا تباع فيه الدواب . ( الانتصار : 4 / 34 ) . ( 3 ) في تلك الفترة كان الصليبيون ، أمراء مملكة بيت المقدس ، قد استطاعوا أن يأخذوا الجزية من عدد من الوزراء الفاطميين لقاء عدم غزوهم مصر . كما أن حدّة الصراع بين الوزراء الفاطميين على السلطة دفعت عددا منهم إلى الاستقواء ، بالصليبيين ، ومن هؤلاء الوزراء : شاور السعدي وضرغام . هذا التهديد الصليبي دفع نور الدين زنكي إلى التفكير جدّيّا بالتدخل في شؤون مصر حتى لا تقع فريسة بأيدي الفرنج ، فأرسل شيركوه الذي استطاع الاستيلاء على بلبيس والبلاد الشرقية ؛ ولكن قوات الصليبيّين وقوات شاور وحاصرت شيركوه في بلبيس ثلاثة أشهر حتى اضطروا لفك الحصار والاسراع إلى بلادهم عندما علموا باستيلاء نور الدين على حارم ومسيره إلى بانياس للاستيلاء عليها . وتكرر استنجاد شاور بالصليبيين إلى أن كانت سنة 564 ه حيث استطاع أن يدخل مصر ويؤمن لنور الدين ضم مصر والشام في جبهة واحدة كانت فيما بعد الأساس الصلب لطرد الصليبيين من بلادنا . هذا وقد اضطر شير كوه لقتل شاور حتى يأمن ما عهد من خيانته . ( راجع الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي من 230 إلى 234 . والأعلام : 4 / 147 و 3 / 154 ) . ( 4 ) في تلك الفترة كان الصليبيون ، أمراء مملكة بيت المقدس ، قد استطاعوا أن يأخذوا الجزية من عدد من الوزراء الفاطميين لقاء عدم غزوهم مصر . كما أن حدّة الصراع بين الوزراء الفاطميين على السلطة دفعت عددا منهم إلى الاستقواء ، بالصليبيين ، ومن هؤلاء الوزراء : شاور السعدي وضرغام . هذا التهديد الصليبي دفع نور الدين زنكي إلى التفكير جدّيّا بالتدخل في شؤون مصر حتى لا تقع فريسة بأيدي الفرنج ، فأرسل شيركوه الذي استطاع الاستيلاء على بلبيس والبلاد الشرقية ؛ ولكن قوات الصليبيّين وقوات شاور وحاصرت شيركوه في بلبيس ثلاثة أشهر حتى اضطروا لفك الحصار والاسراع إلى بلادهم عندما علموا باستيلاء نور الدين على حارم ومسيره إلى بانياس للاستيلاء عليها . وتكرر استنجاد شاور بالصليبيين إلى أن كانت سنة 564 ه حيث استطاع أن يدخل مصر ويؤمن لنور الدين ضم مصر والشام في جبهة واحدة كانت فيما بعد الأساس الصلب لطرد الصليبيين من بلادنا . هذا وقد اضطر شير كوه لقتل شاور حتى يأمن ما عهد من خيانته . ( راجع الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي من 230 إلى 234 . والأعلام : 4 / 147 و 3 / 154 ) .