أحمد بن علي القلقشندي

375

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

العاص أوّل أمرائها بداره على القرب من الجامع ، ولم يزل كلّ أمير بعده ينزل بالدار التي يكون بها سكنه إلى آخر الدولة الأمويّة ، وكان عبد العزيز بن مروان ، وهو أمير مصر في خلافة أخيه عبد الملك بن مروان قد بنى دارا عظيمة بالفسطاط سنة سبع وستين من الهجرة وسماها دار الذهب ، وجعل لها قبّة مذهبة إذا طلعت عليها الشمس لا يستطيع الناظر التأمل فيها خوفا على بصره ، وكانت تعرف بالمدينة لسعتها وعظمها وكان عبد العزيز ينزلها ، ثم نزلها بنوه بعده ، فلما هرب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة إلى مصر ، نزل هذه الدار فلما رهقه القوم ، أمر بإحراقها ، فلامه في ذلك بعض بني عبد العزيز بن مروان فقال : إن أبق ، أبنها لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ، وإلا فما تصاب به في نفسك أعظم ، ولا يتمتع بها عدوّك من بعدك . فلما غلب بنو العبّاس على بني أميّة وهرب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة إلى الديار المصرية ، وتبعه عليّ بن صالح بن عليّ الهاشميّ إلى أن أدركه بمصر وقتله ( 1 ) واستقر أميرا على مصر في خلافة السّفّاح أوّل خلفاء بني العباس ، ابتنى دارا للإمارة ونزلها ، وصارت منزلة للأمراء بعده إلى أن ولي ( 2 ) أحمد بن طولون الديار المصرية فنزل بها في أوّل أمره ، ثم اختطَّ بعد ذلك قصره المعروف بالميدان فيما بين قلعة الجبل الآن والمشهد النّفيسي وما يلي ذلك في سنة ست وخمسين ومائتين ، وكان له عدّة أبواب : بعضها عند المشهد النفيسيّ ، وبعضها ( 3 ) عند جامعه الآتي ذكره ، واختطَّ الناس حوله واقتطع كل أحد قطيعة ابتنى بها ، فكان يقال : قطيعة هارون بن خمارويه ، وقطيعة السّودان ، وقطيعة الفرّاشين ، فعرف ذلك المكان بالقطائع ، وتزايدت العمارة حتّى اتّصلت بالفسطاط ، وصار الكلّ بلدا واحدا ، ونزل أحمد بن طولون بقصره المذكور ، وكذلك بنوه بعده ، وأهملت

--> ( 1 ) في الأعلام : 7 / 209 « قتله عامر أو عمرو بن إسماعيل المرادي الجرجاني » . ( 2 ) ولي مصر سنة 254 ه . ( الأعلام : 1 / 140 ) . ( 3 ) وهو باب الصلاة أو باب السباع الذي يحاذي الجامع المنسوب إليه . ( الانتصار : 4 / 121 ) .