أحمد بن علي القلقشندي
351
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المرّة الثانية - بعد الطَّوفان ، وأوّل من عمرها بعد الطوفان مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ، قدم إليها هو وأبوه بيصر في ثلاثين رجلا من قومه حين قسم نوح الأرض بين بنيه ، فنزلوا بسفح المقطَّم ، ونقروا فيه منازل كبيرة نزلوا بها ثم ابتنوا مدينة منف وسكنوها على ما يأتي ذكره في الكلام على قواعد مصر القديمة إن شاء اللَّه تعالى . قال ابن لهيعة : وكان نوح عليه السلام قد دعا لمصر أن يسكنه اللَّه تعالى الأرض الطيّبة المباركة التي هي أمن البلاد وغوث العباد ، ونهرها أفضل الأنهار ، ويجعل له فيها أفضل البركات ، ويسخّر له الأرض ولولده ويذلَّلها لهم ، ويقوّيهم عليها . فسأله عنها فوصفها له ، وأخبره بها . وأما تسميتها مصر - فقيل : إن نقراووس بن مصريم أوّل ملوكها قبل الطوفان حين عمرها سماها باسم أبيه مصريم تبركا ، وإن مصر بن بيصر إنما سمّي باسمه . وأكثر المؤرّخين على أنها سميت بمصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام . وعلى الوجهين تكون علما منقولا عن اسم رجل . وقال الجاحظ في رسالة له في مدح مصر : إنما سميت مصر [ بمصر ] ( 1 ) لمصير الناس إليها . قلت : ويجوز أن تكون سميت مصر لكونها حدّا فاصلا بين بلاد المشرق والمغرب ، إذ المصر ( 2 ) في أصل لغة العرب اسم للحدّ بين الأرضين كما قاله القضاعي ، ومنه قول أهل هجر ( 3 ) : اشتريت الدار بمصورها ، أي بحدودها .
--> ( 1 ) الزيادة عن خطط المقريزي : 1 / 22 . ( 2 ) في اللسان : المصر هو الحدّ في كل شيء ، وقيل : المصر الحدّ في الأرض خاصة . وفي القاموس : المصر هو الحاجز بين الشيئين والحدّ بين الأرضين . ( اللسان : 5 / 176 والقاموس : 2 / 139 ) . ( 3 ) مدينة في البحرين . وقيل : ناحية البحرين كلها هجر . ( معجم البلدان : 5 / 393 ) .