أحمد بن علي القلقشندي

323

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويروى أنه وقع مثل ذلك في زمن موسى عليه السلام ، وهو أن موسى عليه السلام دعا على آل فرعون ، فحبس اللَّه عنهم النيل حتّى أرادوا الجلاء ، فرغبوا إلى موسى فدعا لهم بإجراء النيل رجاء أن يؤمنوا ، فأصبحوا وقد أجراه اللَّه في تلك الليلة ستة عشر ذراعا . ورأيت في « تاريخ النيل » المتقدّم ذكره : أنه في زمن المستنصر ( 1 ) أحد خلفاء الفاطميين بمصر مكث النيل سنتين لم يطلع ، وطلع في السنة الثالثة وأقام إلى الخامسة لم ينزل ، ثم نزل في وقته ونضب الماء عن الأرض ، فلم يوجد من يزرعها لقلة الناس ؛ ثم طلع في السنة السادسة وأقام حتّى فرغت السابعة ، ولم يبق إلا صبابة ( 2 ) من الناس ، ولم يبق في الأقاليم ما يمشي على أربع غير حمار يركبه الخليفة المستنصر ، وأنه وفّى ست عشرة ذراعا ( 3 ) في ليلة واحدة بعد أن كان يخاض من برّ إلى برّ ؛ وأقل ما انتهى إليه قاع النيل في النقص ذراع واحد وعشرة أصابع ، ووقع ذلك من سنة الهجرة وإلى آخر الثمانمائة مرتين فقط : المرّة الأولى - في سنة خمس وستين ومائة من الهجرة . وبلغ النيل فيها أربع عشرة ذراعا وأربعة عشر أصبعا . والمرة الثانية - في سنة خمس وثمانين وأربعمائة . وبلغ فيها سبع عشرة ذراعا وخمسة أصابع . وقد وقع مثل ذلك في زماننا ، في سنة ست وثمانمائة . وأغي ما انتهى إليه القاع في الزيادة مما رأيته مسطورا إلى آخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة تسعة أذرع . وسمعت بعض الناس يقول إنه في سنة خمس وستين وسبعمائة كان القاع اثنتي عشرة ذراعا .

--> ( 1 ) هو معدّ ( المستنصر باللَّه ) بن علي ( الظاهر لإعزاز دين اللَّه ) ابن الحاكم بأمر اللَّه . بويع له وهو طفل سنة 427 ه . ثم تغلبت أمه على الدولة فكانت تصطنع الوزراء وتوليهم . توفي بمصر سنة 487 ه . ( الأعلام : 7 / 266 ) . ( 2 ) الصبابة هي الجماعة القليلة من الناس . ( القاموس : 1 / 94 ) . ( 3 ) الذراع والإصبع يذكران ويؤنثان ، وقد جريا في كلام المؤلف تارة بالتذكير وأخرى بالتأنيث ، وكل صحيح .