أحمد بن علي القلقشندي
300
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ثم لما بايع الظاهر ( 1 ) أيضا الإمام « الحاكم بأمر اللَّه » ثاني خلفائهم أيضا في سنة تسع وخمسين وستمائة على ما تقدّم ذكره ، بقي مدّة ، ثم أشركه معه في الدّعاء في الخطبة على المنابر في سنة ست وستين وستمائة ، إلا أنه منعه من التصرف والدخول والخروج . ولم يزل كذلك إلى أن ولي السلطنة الملك الأشرف « خليل ابن المنصور قلاوون » فأطلق سبيله ، وأسكنه في الكبش على القرب من الجامع الطَّولونيّ ؛ وكان يخطب أيام الجمع بجامع القلعة إلى أن ولي السلطنة الملك المنصور حسام الدّين لاجين ، فأباح له التصرف والركوب إلى حيث شاء ؛ وبقي الأمر على ذلك إلى أن ولي الخلافة « المستعصم باللَّه » أبو العباس أحمد بن المستكفي باللَّه أبي الربيع سليمان المرّة الثانية بعد موت الملك الناصر محمد بن قلاوون ، ففوّض إليه السلطان نظر المشهد النفيسيّ ( 2 ) واستقرّ بأيدي الخلفاء إلى الآن . والذي استقرّ عليه حال الخلفاء بالديار المصرية أن الخليفة يفوّض الأمور العامة إلى السلطان ، ويكتب له عنه عهد بالسلطنة ويدعى له قبل السلطان على المنابر إلا في مصلَّى السلطان خاصة في جامع مصلاه بقلعة الجبل المحروسة ، ويستبد السلطان بما عدا ذلك : من الولاية والعزل وإقطاع الإقطاعات حتى للخليفة نفسه ، ويستأثر بالكتابة في جميع ذلك . قلت : ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن قبض على السلطان الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق بالشام في أوائل سنة خمس عشرة وثمانمائة على ما تقدّم ذكره ، فاستقل الإمام « المستعين باللَّه » خليفة العصر بأمر الخلافة : من الكتابة على العهود ومناشير الإقطاعات ، والتقاليد ، والتواقيع ، والمكاتبات وغيرها ، وأفرد
--> ( 1 ) الظاهر بيبرس . ( 2 ) وفيه الجامع الناصري . والمشهد النفيسي من القاهرة ، يتصل بالكبش والصليبية . ( الانتصار لواسطة عقد الأمصار : 4 / 124 ) .