أحمد بن علي القلقشندي

286

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأما ترتيب الخلافة ، فله حالتان : الحالة الأولى ما كان عليه الحال في الزمن القديم اعلم أن الخلافة لابتداء الأمر كانت جارية على ما ألف من سيرة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : من خشونة العيش ، والقرب من الناس ، واطَّراح الخيلاء ، وأحوال الملوك ، مع ما فتح اللَّه تعالى على خلفاء السلف من الأقاليم ، وجبى إليهم من الأموال التي لم يفز عظماء الملوك بجزء من أجزائها . وناهيك أنهم فتحوا عدّة من الممالك العظيمة التي كانت يضرب بها المثل في عظم قدرها ، وارتفاع شأن ملوكها ، من ممالك المشرق والمغرب ، حتّى ذكر عظماء الملوك عند بعض السلف فقال : « إنما الملك الذي يأكل الشعير ويعسّ ( 1 ) على رجليه بالليل ماشيا وقد فتحت له مشارق الأرض ومغاربها » يريد عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه . ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن سلَّم الحسن رضي اللَّه عنه الأمر لمعاوية ؛ وإلى ذلك الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وسلم : « الخلافة في أمّتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك » فكان آخر الثلاثين خلافة الحسن . فلما سلَّم الحسن رضي اللَّه عنه لمعاوية بعد وقوع الاختلاف وتباين الآراء ، اقتضى الحال في زمانه إقامة شعار الملك ، وإظهار أبهة الخلافة ، فأخذ في ترتيب أمور الخلافة على نظام الملك لما في ذلك من إرهاب العدو وإخافته . بل كان ذلك شأنه وهو أمير بالشأم قبل أن يلي الخلافة ، حتّى حكى صاحب « العقد » وغيره أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قدم الشأم في خلافته ، وهو راكب على حمار ، ومعه عبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية أمير على

--> ( 1 ) يعسّ عسسا وعسّا أي يطوف بالليل . وكان عمر بن الخطاب يعسّ بالمدينة يحرس الناس ويكشف أهل الريبة . ( اللسان : 6 / 139 ) .