أحمد بن علي القلقشندي

26

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وسيما حسن الهيئة ، كان في العيون أعظم ، وفي النفوس أفخم ، وإذا كان على ضدّ ذلك سئمته النفوس ، ومجّته القلوب ؛ فكذلك الخط إذا كان حسن الوصف ، مليح الرّصف مفتّح العيون ، أملس المتون ، كثير الائتلاف ، قليل الاختلاف ، هشّت إليه النفوس ، واشتهته الأرواح ؛ حتّى إن الإنسان ليقرؤه وإن كان فيه كلام دنيء ، ومعنى رديء ، مستزيدا منه ولو كثر ، من غير سآمة تلحقه ؛ وإذا كان الخط قبيحا مجّته الأفهام ، ولفظته العيون والأفكار ، وسئم قارئه ، وإن كان فيه من الحكمة عجائبها ، ومن الألفاظ غرائبها . ويقال : إن الخط مواز للقراءة ، فأجود الخط أبينه ، كما أن أجود القراءة أبينها ؛ ولا يخفى أن الخط الحسن هو البيّن الرائق البهج . ثم قد تقدّم في الكلام على أصل الخط أن الخطَّ واللفظ يتقاسمان فضيلة البيان ، ويشتركان فيها . قال في « مواد البيان » ( 1 ) : ولما كان الخط قسما للَّفظ في البيان الذي امتنّ اللَّه تعالى بتعليمه على الإنسان ، وجب على الكاتب أن يعنى بأمر الخط ، ويراعي من تجويده وتصحيحه ، ما يراعيه من تهذيب اللفظ وتنقيحه ، ليدلّ على سرعة وسهولة كما يدلّ اللفظ البليغ البيّن ، لأن الخط وإن كان على الإطلاق في المنزلة التي لا تساوى من الشرف فإنما تحصل فضائله للجيّد منه ، كما أن المنطق وإن كان من الشرف في هذا الحدّ فإنما تحصل فضائله التامّة لمنطق البليغ اللَّسن ، دون منطق العييّ الألكن ، وكذلك سائر الصنائع الفاضلة على الإطلاق إنما يحصل فضلها للماهر فيها دون المبتديء . قال : فينبغي للكاتب ألَّا يقدّم على تهذيب خطه وتحريره شيئا من آدابه فإن جودة الخط أوّل الأدوات التي ينتظم بحصولها له اسم الكتابة ، ويحكم عليه إذا

--> ( 1 ) صاحب « مواد البيان » هو علي بن خلف ، أبو سعد ، الكاتب النيرماني . ونيرمان قرية بالقرب من همذان . وكان من جلة الكتاب الفضلاء والرؤساء النبلاء ؛ خدم في ديوان بني بويه ببغداد . توفي سنة 414 ه . ( فوات الوفيات 3 / 74 ) .