أحمد بن علي القلقشندي
160
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أستجيز النّقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم . وقد وردت الكراهة لذلك عن عبد اللَّه بن مسعود ( 1 ) وعن غيره من علماء الأمة . وأما المتأخرون فقد أحدثوا لذلك صورا مختلفة الأشكال لمناسبة تخص كل شكل منها ، ومن أجل اختلاف صورها وتباين أشكالها رخّصوا في رسمها بالسواد . ويتعلق بالمقصود من ذلك سبع صور : الأولى علامة السكون والمتقدّمون يجعلون علامة ذلك جرّة بالحمرة فوق الحرف ، سواء كان الحرف المسكَّن همزة كما في قولك : لم يشأ ، أو غيرها من الحروف كالذال من قولك : اذهب . أما المتأخرون : فإنهم رسموا لها دائرة تشبه الميم إشارة إلى الجزم إذ الميم آخر حرف من الجزم ، وحذفوا عراقة الميم استخفافا ، وسمّوا تلك الدائرة جزمة ، أخذا من الجزم الذي هو لقب السكون ، ويحتمل أن يكونوا أتوا بتلك الدائرة على صورة الصّفر في حساب الهنود ونحوهم إشارة إلى خلوّ تلك المرتبة من الأعداد لأن الصفر هو الخالي ، ومنه قولهم : « صفر اليدين » بمعنى أنه فقير ليس في يديه شيء من المال . وحذّاق الكتّاب يجعلونها جيما لطيفة بغير عراقة إشارة إلى الجزم .
--> ( 1 ) الصحابي الكبير المتوفى بالمدينة سنة 32 ه . وهو من أصحاب المصاحف الذين كانوا يحتفظون بنسخة خاصة بهم فيها بعض الاختلاف عن النسخة التي أقرّها موحّدة الخليفة الثالث عثمان بن عفان وأمر بتعميمها وتوزيعها على الأمصار بعد إتلاف ما سواها . وأشهر أصحاب المصاحف : أبي ابن كعب وعبد اللَّه بن مسعود وأبو موسى الأشعري والمقداد بن عمرو وعلي بن أبي طالب . ( راجع الأعلام 4 / 137 والفهرست 39 ، 40 ، 41 وقضايا لغوية في ضوء القراءات القرآنية للشيخ صبحي الصالح ص 14 ) .