أحمد بن علي القلقشندي

144

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الخط يفيد ما يفيده ترتيب اللفظ . وذلك أن اللفظ إذا كان مرتّبا تخلَّص بعض المعاني من بعض ، وإذا كان مخلَّطا أشكلت معانيه ، وتعذر على سامعه إدراك محصوله . وكذلك الخط إذا كان متميز الفصول ، وصل معنى كلّ فصل منه إلى النفس على صورته ، وإذا كان متصلا دعا إلى إعمال الفكر في تخليص أغراضه . وقد اختلفت طرق الكتّاب في فصول الكلام الذي لم يميّز بذكر باب أو فصل ونحوه . فالنّسّاخ يجعلون لذلك دائرة تفصل بين الكلامين ، وكتّاب الرسائل يجعلون للفواصل بياضا يكون بين الكلامين من سجع أو فصل كلام ، إلا أن بياض فصل الكلامين يكون في قدر رأس إبهام ، وفصل السجعتين يكون في قدر رأس خنصر . قال في « موادّ البيان » : وينبغي ألَّا تكون الجملة في آخر السطر والفاصلة في أوّل السطر الذي يليه ؛ فإنه ملبس لاتصال الكلام ؛ بل لا يجعل في أوّل السطر بياضا أصلا لأنه يقبح بذلك لخروجه عن نسبة السطور ؛ ولا أن يفسح بين السطر والذي يليه إفساحا زائدا عما بين كل سطرين ، ولكن يراعي ذلك من أوّل شروعه في كتابة السطر فيقدّر الخط بالجمع والمشق حتّى يخلص من هذا العيب . الصنف السادس حسن التدبير في قطع الكلام ووصله في أواخر السطور وأوائلها لأن السطور في المنظر كالفصول ، فإذا قطع السطر على شيء يتعلَّق بما بعده كان قبيحا ، كما إذا كتب بعض حروف الكلمة في آخر السطر وبعضها في أوّل السطر الذي يليه . ثم للفصل المستقبح في آخر السطر وأوّل الذي يليه صنفان :