أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى نميرا يحدّثه ، فكان مما حدّثه أن قال : يا أمير المؤمنين كان بالبصرة بومة وبالموصل بومة ، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها ؛ فقالت بومة البصرة : لا أفعل حتّى تجعلي في صداقها مائة ضيعة خراب ؛ فقالت بومة الموصل : لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا سلَّمه اللَّه علينا سنة واحدة فعلت ؛ فاستيقظ لها وجلس للمظالم . ومنها « البؤة » - بضم الباء وفتح ( 1 ) الهمزة - قال الجوهري : وهو طائر يشبه البومة إلا أنه أصغر منها . وذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب نحوه ، ويقال له البوهة أيضا ؛ وهي من طير الليل أيضا . ولا يخفى أنها التي يسمّيها الناس في زماننا المصّاصة ويزعمون أنها تنزل على الأطفال فتمصّ أنوفهم . ومنها « الخفّاش » - بضم الخاء المعجمة وتشديد الفاء وبالشين المعجمة ، ويجمع على خفافيش - وهو طائر غريب الشّكل والوصف لا ريش عليه ؛ وأجنحته جلدة لا صقة بيديه ، وقيل لا صقة بجنبه . وسمي خفّاشا لأنه لا يبصر نهارا ، وبه سمي الرجل : أخفش ؛ والعامّة تسميه الوطواط ، وقيل : الخفّاش الصغير ، والوطواط الكبير ، ويقال : إن الوطواط هو الخطَّاف لا الخفّاش . وليس هو من الطير في شيء ، فإن له أسنانا وخصيتين ، ويحيض ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويبول كما تبول ذوات الأربع ، ويرضع ولده من ثديه . ولما كان لا يبصر نهارا التمس وقتا يكون بين الظلمة والضوء وهو قريب غروب الشمس ، لأنه وقت هيجان البعوض ، فالبعوض يخرج في ذلك الوقت يطلب قوته من دماء الحيوان ؛ والخفّاش يخرج لطلب الطَّعم فيقع طالب رزق على طالب رزق . ويقال : إنه هو الذي خلقه المسيح عليه السلام من الطين ، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن اللَّه . قال بعض المفسرين : ومن أجل ذلك كان مباينا لغيره من

--> ( 1 ) لم يهمزه أحد في اللغويين بل ذكروه في باب الهاء وقد رسم في الصحاح بالواو وكذا في القاموس وقال بالضم . ( حاشية الطبعة الأميرية ، ص 87 ) .