أحمد بن علي القلقشندي

89

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولذلك عني به سليمان عليه السلام مع صغره كما قاله البيهقي ( 1 ) في « شعب الإيمان » ويقال : إنه كان دليلا لسليمان عليه السلام على الماء ؛ وقصته مع سليمان مذكورة في التنزيل ( 2 ) . وقد ذكر الزمخشري أن سبب تخلفه عن سليمان أنه رأى هدهدا آخر ، فحكى له عظيم ملك سليمان ؛ فحكى له ذلك الهدهد عظيم ملك بلقيس باليمن ؛ فذهب ليكشف الخبر فلم يرجع إلا بعد العصر ؛ فلما عاد إليه توعّده ، فأرخى رأسه وجناحيه تواضعا بين يديه ، وقال : يا نبيّ اللَّه ، اذكر وقوفك بين يدي اللَّه ! فارتعد سليمان وعفا عنه . ومنها « الخطَّاف » - بضم الخاء المعجمة - ويجمع على خطاطيف وهو طائر في قدر العصفور ، أسود ، وباطن جناحيه إلى الحمرة ؛ والناس يسمونه عصفور الجنة لأنه يعرض عن أقواتهم ويقتات البعوض والذّباب . ومن شأنه السكنى في البيوت المعمورة بالناس في أفاحيص يبنيها من الطين ؛ ويختار منها السّقوف والأماكن التي لا يصل إليه فيها أحد . وقد ذكر الثعلبي ( 3 ) في تفسيره في سورة النمل : أن سبب قرب الخطاطيف من الناس أن اللَّه تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض ، استوحش ؛ فآنسه اللَّه تعالى بالخطَّاف وألزمه البيوت ؛ فهو لا يفارق بني آدم أنسا لهم . والخفّاش يعاديه ، فلذلك إذا أفرخ جعل في عشّه قضبان الكرفس ( 4 ) لينفّر الخفّاش عنها . ومن عادته أنه لا يفرخ في عشّ عتيق حتى يطيّنه بطين جديد ، ولا يلقي شيئا

--> ( 1 ) هو أحمد بن الحسين بن علي البيهقي : من أئمة الحديث ، توفي سنة 458 ه . وكتابه المذكور هو : « الجامع المصنف في شعب الإيمان » . ( الاعلام : 1 / 116 وكشف الظنون : 1047 ) . ( 2 ) سورة النمل / 20 : « وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد » . ( 3 ) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة 427 ه . مفسّر له : الكشف والبيان في تفسير القرآن ، يعرف بتفسير الثعلبي . ( الأعلام : 1 / 121 ) . ( 4 ) عشب ثنائي الحول من الفصيلة الخيمية ، ثمرته جافة منشقة تنقسم إلى ثمرتين . ( الوسيط : 783 ) .