أحمد بن علي القلقشندي
501
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الصافي من كل شيء ، قال ابن أحمر ( 1 ) يذكر امرأة : تتيه بفاحم جعد وأبيض ناصع الحبر يريد سواد شعرها ، وبياض لونها ؛ وفي الخبر « يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره » بكسر الحاء المهملة والسين فيهما . قال ابن الأعرابي : حبره : حسنه ، وسبره هيئته ، وقال المبرد : قال التوزيّ : سألت الفرّاء عن المداد لم سمّي حبرا ، فقال : يقال للمعلَّم حبر وحبر يعني بفتح الحاء وكسرها ، فأرادوا مداد حبر أي مداد عالم ، فحذفوا مداد وجعلوا مكانه حبرا . قال : فذكرت ذلك للأصمعيّ فقال : ليس هذا بشيء إنما هو لتأثيره ، يقال : على أسنانه حبر إذا كثرت صفرتها حتّى صارت تضرب إلى السواد ، والحبر : الأثر يبقى في الجلد ، وأنشد : لقد أشمتت بي آل فيد وغادرت بجلدي حبرا بنت مصّان باديا أراد بالحبر الأثر ، يعني أثر الكتابة في القرطاس ، قال المبرد : وأنا أحسب أنه سمّي بذلك لأن الكتاب يحبّر به أي يحسّن ، أخذا من قولهم : حبّرت الشيء تحبيرا إذا حسّنته . الوجه الثاني في شرف المداد والحبر ، واختيار السواد لذلك في الخبر « يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة فيوضع أحدهما في كفّة الميزان والآخر في الكفّة الأخرى فلا يرجح أحدهما على الآخر » قال بعض الحكماء : صورة المداد في الأبصار سوداء ، وفي البصائر بيضاء . وقد قيل : كواكب الحكم في ظلم المداد . ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد ، وهو يستره منه ، فقال له : يا هذا ، إن المداد من المروءة . وأنشد أبو زيد :
--> ( 1 ) هو هنيء بن أحمر : شاعر جاهلي من كنانة تنسب إليه الأبيات التي اشتهر بها : وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس يدعى جندب