أحمد بن علي القلقشندي

483

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تختال في صفر ملاحفها ، وتميس في مذهب مطارفها ، بلون غياب الشمس ، وصبغ ثياب الورس ( 1 ) . ومن منقوشة تروق العين ، وتونق النفس ؛ ويهدي حسنها الأريحيّة إلى القلوب ، ويحلّ الطَّرف لها حبوة الحليم اللبيب ؛ كأنها اختلاف الزّهر اللامع ، وأصناف الثمر اليانع . ومن بحريّة موشيّة اللَّيط ( 2 ) ، رائقة التخطيط ؛ كأنّ داخلها قطرة دم ، أو حاشية رداء معلم ؛ وكأنّ خارجها أرقم ، أو متن واد مفعم ؛ نشرت ألوانا تزري بورد الخدود ، وأبدت قامات تفضح تأوّد القدود . ومن كلام ابن الزيات ( 3 ) : خير الأقلام ما استحكم نضجه ، وخف بزره ؛ قد تساعدت عليه السعود في فلك البروج حولا كاملا ، تؤلفه بمختلف أركانها وطباعها ، ومتباين أنوائها وأنحائها ؛ حتّى إذا بلغ أشدّه واستوى ، وشقّت بوازله ( 4 ) ، ورقّت شمائله ، وابتسم من غشائه ، وتأدّى من لحائه ، وتعرّى عنه ثوب المصيف ، بانقضاء الخريف ، وكشف عن لون البيض المكنون ، والصّدف المخزون ؛ قطع ولم يعجّل عن تمام مصلحته ، ولم يؤخّر إلى الأوقات المخوفة عاهاتها عليه من خصر الشتاء ، وعفن الأنداء ؛ فجاء مستوي الأنابيب معتدلها ، مثقّف الكعوب مقوّمها . وقد حرر الوزير أبو عليّ بن مقلة ( 5 ) رحمه اللَّه مناط الحاجة من هذه

--> ( 1 ) الورس : شيء أصفر مثل اللطخ يخرج على الرمث بين آخر الصيف وأول الشتاء ، إذا أصاب الثوب لوّنه . ( اللسان : 6 / 254 ) . ( 2 ) واحدتها ليطة ، وهي قشرة القصبة والقوس والقناة وكل شيء له متانة . ( اللسان : 7 / 396 ) . ( 3 ) هو محمد بن عبد الملك ، أبو جعفر : وزير المعتصم والواثق العباسيين . عالم باللغة والأدب من بلغاء الكتاب والشعراء . قتله المتوكل سنة 233 ه . ( الأعلام : 6 / 248 ) . ( 4 ) جمع بازل ، وهو ناب البعير عندما ينشق . واستعارها هنا للقلم . ( 5 ) هو محمد بن علي بن الحسين : وزير من الشعراء الأدباء يضرب بحسن خطه المثل . استوزره عدد من الخلفاء العباسيين فكانوا يغضبون عليه فينفونه أو يهرب منهم حتى استوزره الراضي باللَّه سنة 328 ه . وما لبث أن نقم عليه فسجنه مدة ثم أخلى سبيله ثم عاد فقطع يده اليمنى ولسانه وحبسه فمات في سجنه سنة 328 ه . ( الأعلام : 6 / 273 ) .