أحمد بن علي القلقشندي

403

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المذكورة أربعة أشهر حرم كما قال تعالى : * ( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) * ( 1 ) وقد أجمعت العلماء على أن الأربعة المذكورة هي رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم . وقد اختلف في الابتداء بعددها فذهب أهل المدينة إلى أنه يبتدأ بذي القعدة فيقال : ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب ؛ ويحتجّون على ذلك بأنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم عدّها في خطبة حجّة الوداع كذلك فقال : « السّنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات وواحد فرد : ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب » واختاره أبو جعفر النحاس . وذهب أهل الكوفة إلى أنه يبتدأ بالمحرّم فيقال : المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجّة ليأتوا بها من سنة واحدة وإليه ميل الكتّاب . قال النحاس : ولا حجّة لهم فيه لأنه إذا علم أن المقصود ذكرها في كل سنة فكيف يتوهم أنها من سنتين . وكانت العرب في الجاهلية مع ما هم عليه من الضّلال والكفر يعظَّمون هذه الأشهر ويحرّمون القتال فيها حتّى لو لقي الرجل فيها قاتل أبيه لم يهجه ، إلى أن حدث فيهم النسيء فكانوا ينسئون المحرّم فيؤخرونه إلى صفر فيحرّمونه مكانه وينسئون رجبا فيؤخّرونه إلى شعبان فيحرّمونه مكانه ليستبيحوا القتال في الأشهر الحرم . واعلم أنه يجوز أن يضاف لفظ شهر إلى جميع الأشهر فيقال : شهر المحرّم ، وشهر صفر ، وشهر ربيع الأوّل وكذا في البواقي ، على أنّ منها ثلاثة ( 2 ) أشهر لم تكد العرب تنطق بها إلا مضافة إليها ، وهي شهرا ربيع وشهر رمضان ؛ ويؤيد ذلك في رمضان ما ورد به القرآن من إضافته ، قال تعالى : * ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنُ ) * ( 3 ) وقد روى عثمان بن الأسود ( 4 ) عن مجاهد ( 5 ) أنه قال : « لا تقل رمضان

--> ( 1 ) التوبة / 36 . ( 2 ) في بلوغ الأرب : 3 / 79 : « أربعة » وهي شهرا ربيع وشهر رجب وشهر رمضان . ( 3 ) البقرة / 185 . ( 4 ) تابعي ثقة توفي سنة 149 ه . ( أسماء التابعين : 1 / 246 ) . ( 5 ) هو أبو الحجاج المخزومي المقري ، مولى السائب بن أبي السائب : فقيه محدّث تابعي ثقة . توفي بمكة سنة 102 أو 103 ه . ( أسماء التابعين : 1 / 363 ) .