أحمد بن علي القلقشندي
362
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الغرّة وتحيي العرّة » ( 1 ) وقول بعض الكتّاب : سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك . وقول آخر : وقد علَّمتني نبوتك سلوتك ، وأسلمني يأسي منك إلى الصّبر عنك . وقول آخر : فتولَّى اللَّه النعمة عليك وفيك ، وتولَّى إصلاحك والإصلاح بك ، وأجزل من الخير حظَّك والحظَّ منك ، ومنّ عليك وعلينا بك . وقول الشاعر : أهابك إجلالا وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها وما هجرتك النّفس أنّك عندها قليل ولا أن ( 2 ) قلّ منك نصيبها إذا علمت ذلك فقد اختلف البلغاء في أيّ الثلاثة أبلغ وأولى بالكلام ، فذهب قوم إلى ترجيح الإيجاز ، محتجّين له بأنّه صورة البلاغة وأن ما تجاوز مقدار الحاجة من الكلام فضلة داخلة في حيّز اللَّغو والهذر ، وهما من أعظم أدواء الكلام ، وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصّناعة وغباوته ، وقد قال الأمين محمد بن الرشيد : عليكم بالإيجاز فإن له إفهاما ، وللإطالة استبهاما . وقال جعفر ابن يحيى لكتابه : إن قدرتم على أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا . وقال بعضهم : البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب ، وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ قال : الإيجاز . وقيل لابن حازم لم لا تطيل القصائد ؟ فأنشد : أبى لي أن أطيل الشّعر قصدي إلى المعنى وعلمي بالصّواب وإيجازي بمختصر قريب حذفت به الفضول من الجواب وذهبت طائفة إلى أن الإطناب أرجح ، واحتجّوا لذلك بأن المنطق إنما هو بيان ، والبيان لا يحصل إلا بإيضاح العبارة ، وإيضاح العبارة لا يتهيأ إلا بمرادفة الألفاظ على المعنى حتّى تحيط به إحاطة يؤمن معها من اللبس والإبهام ، وإنّ
--> ( 1 ) المشارّة : المفاعلة من الشر ، أي لا تفعل به شرا ، فتحوجه إلى أن يفعل بك مثله . والغرّة : الحسن والعمل الصالح . والعرّة : القذر ، واستعير للمساوىء والمثالب . ( 2 ) في الصناعتين : 186 : « ولكن » .