أحمد بن علي القلقشندي
353
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
السجع ، فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر وتعقيد ؛ وكثيرا ما يقع ذلك في السجع ، وقلَّما يسلم إذا طال من استكراه وتنافر . قال ابن أبي الأصبع : ولا تجعل كلامك كلَّه مبنيّا على السجع فتظهر عليه الكلفة ، ويتبيّن فيه أثر المشقّة ، وتتكلَّف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط ، واللفظ النازل ؛ وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع فجاءت نافرة من أخواتها ، قلقة في مكانها . بل اصرف كلّ النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني ، واجهد في تقويم المباني ، فإن جاء الكلام مسجوعا عفوا من غير قصد ، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان ، وإن عزّ ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه ، وتباينت في التقفية مقاطعه ، فقد كان المتقدّمون لا يحتفلون بالسّجع جملة ، ولا يقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام ، واتّفق من غير قصد ولا اكتساب ؛ وإنما كانت كلماتهم متوازية ، وألفاظهم متساوية ، ومعانيهم ناصعة ، وعبارتهم رائعة ، وفصولهم متقابلة ، وجمل كلامهم متماثلة ؛ وتلك طريقة الإمام علي رضي اللَّه عنه ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام ، كابن المقفّع ، ويزيد بن هارون ( 1 ) ، وإبراهيم بن العباس ( 2 ) ، والحسن بن سهل ( 3 ) ، وعمرو بن مسعدة ( 4 ) ، وأبي عثمان الجاحظ ، وغيرهم من الفصحاء البلغاء . قال في « موادّ البيان » : وأقلّ ما يكون من الازدواج قرينتان . قال في « الصناعتين » : وينبغي أن يجتنب إعادة حروف الصّلات والرباطات في موضع واحد إذا كتب ، في مثل قول القائل له منه عليه ، أو عليه منه ،
--> ( 1 ) من حفّاظ الحديث الثقات ، أصله من بخارى ، ولد بواسط وتوفي فيها سنة 206 ه . ( الأعلام 8 / 190 ) . ( 2 ) هو أبو إسحاق ، إبراهيم بن العباس الصولي : كاتب العراق في عصره ، كان جده محمد ، من رجال الدولة العباسية ودعاتها ؛ توفي إبراهيم سنة 243 ه . ( الأعلام 1 / 45 ) . ( 3 ) وزير المأمون العباسي ، اشتهر بالذكاء المفرط والأدب والفصاحة . توفي في سرخس سنة 236 ه . ( الأعلام 2 / 192 ) . ( 4 ) مرّ تعريفه في حاشية 2 من الصفحة 235 من هذا الجزء .