أحمد بن علي القلقشندي
345
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وصعب الأمر عليهم في تأليفه ونظمه ، فقد حكي أن الخليل بن أحمد مع تقدّمه في اللغة ، ومهارته في العربية ، واختراعه علم العروض ، الذي هو ميزان شعر العرب ، لم يكن يتهيأ له تأليف الألفاظ السهلة لديه الحاصلة المعاني في نفسه على صورة النظم إلا بصعوبة ومشقّة ، وكان إذا سئل عن سبب إعراضه عن نظم الشعر يقول يأباني جيّده وآبى رديئه ، مشيرا بذلك إلى أن طبعه غير مساعد له على التأليف المرضيّ الذي تحسن نسبته إلى مثله . وقيل للمفضّل الضّبيّ ( 1 ) : ألا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به ؟ فقال : علمي به يمنعني من قوله ، وأنشد : أبى الشّعر إلا أن يفيء رديئه عليّ ويأبى منه ما كان محكما فيا ليتني إن لم أجد حوك وشيه ولم أك من فرسانه كنت مفحما وأنشد أبو عبيدة خلفا الأحمر ( 2 ) شعرا له فقال اخبأ هذا كما تخبأ السّنّورة حاجتها ، مع ما كان عليه أبو عبيدة من العلم باللغة وشعر العرب وأمثالها وأيام حروبها ، وما يجري مجرى ذلك من موادّ تأليف الكلام ونظمه . ويحكى عن أبي العباس المبرّد ( 3 ) أنه قال : لا أحتاج إلى وصف نفسي : لأن الناس يعلمون أنه ليس أحد بين الخافقين تختلج في نفسه مسألة مشكلة إلا لقيني بها وأعدّني لها ، فأنا عالم ومعلَّم ، وحافظ ودارس ، ولا يخفى عليّ مشتبه من الشعر ، والنحو ، والكلام المنثور ، والخطب ، والرسائل ، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة ، أو التماس حاجة ، فأجعل المعنى الذي أقصد نصب عيني ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد
--> ( 1 ) هو المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر الضبيّ : راوية علَّامة بالشعر والأدب وأيام العرب ، لزم المهدي العباسي وصنّف له كتابه « المفضّليات » . وهناك خلاف في تاريخ وفاته ( الأعلام 7 / 280 ) . ( 2 ) هو أبو محرز ، خلف بن حيّان : راوية ، شاعر ، عالم بالأدب ، من أهل البصرة . توفي نحو 180 ه . ( الأعلام 2 / 310 ) . ( 3 ) هو محمد بن يزيد ، أبو العباس المعروف بالمبرّد : إمام العربية ببغداد في زمنه ، وأحد أئمة الأدب والأخبار . ولد بالبصرة سنة 210 ه . ، وتوفي ببغداد سنة 286 ه . ( الأعلام 7 / 144 ) .