أحمد بن علي القلقشندي
343
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
رقّاما ( 1 ) . قال : ولا أريد بهذا الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار ، بحيث أنه لا ينشئ كتابا إلا في ذلك ، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم ، وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار ، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطَّلع على معانيه ، مفتش على دفائنه ، وقلبه ظهرا لبطن ، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه ، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية . على أنه لا بدّ للكاتب المرتقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة مع حفظ القرآن الكريم ، والاستكثار من حفظ الأخبار النبوية ، والأشعار المختارة ، من العلم بأدوات الكتابة وآلات البيان : من علم اللغة ، والتصريف ، والنحو ، والمعاني ، والبيان ، والبديع ، ليتمكن من التصرف في اقتباس المعاني واستخراجها فيرقى إلى درجة الاجتهاد في الكتابة ؛ كما أن المجتهد من الفقهاء إذا عرف أدوات الاجتهاد : من آيات الأحكام ، وأحاديثها ، ونعتها ، وعرف النحو والناسخ والمنسوخ من الكتاب والسّنّة ، والحساب والفرائض وإجماع الصحابة ، وغير ذلك من آلات الاجتهاد وأدواته ، استخرج بفكره حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده ؛ فالمجتهد في الكتابة يستخرج المعاني من مظانّها من القرآن الكريم ، والأخبار النبوية ، والأشعار ، والأمثال ، وغير ذلك بواسطة آلة الاجتهاد ، كما أن المجتهد في الفقهيات يستخرج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة بواسطة آلة الاجتهاد . فإذا أراد الكاتب المتصف بصفة الاجتهاد في الكتابة إنشاء خطبة أو رسالة أو غيرهما مما يتعلق بفنّ الانشاء بياض بالأصل . الأصل السادس وجود الطبع السليم ، وخلو الفكر عن المشوش أما وجود الطبع فقال في « موادّ البيان » : أوّل معاون هذه الصناعة الجليلة
--> ( 1 ) من الرقم ، بكسر القاف ، وهو الداهية وما لا يطاق له ولا يقام به ( اللسان : 12 / 250 ) .