أحمد بن علي القلقشندي
324
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس ( 1 ) فقال الحكيم الكنديّ : وأيّ فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب ؟ فأطرق أبو تمّام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إيّاه بعمرو وحاتم وإياس . فالحال يشهد بابتداعه هذا المعنى ، فمن أتى بعده بهذا المعنى أو بجزء منه كان سارقا له ، وكذلك كلّ ما جرى هذا المجرى . ولم يزل الشعراء والخطباء يقتبسون من معاني من قبلهم ، ويبنون على بناء من تقدّمهم . فمما وقع للشعراء من ذلك قول أبي تمّام : خلقنا رجالا للتّجلَّد ( 2 ) والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم أخذه من قول عبد اللَّه بن الزّبير لما قتل مصعب بن الزبير : وإنما التسليم والسّلو لحزماء الرجال ، وإن الجزع والهلع لربّات الحجال ؛ وقوله أيضا : تعجّب ( 3 ) أن رأت جسمي نحيفا ( 4 ) كأنّ المجد يدرك بالصّراع أخذه من قول زياد ابن أبيه لأبي الأسود الدؤلي : لولا أنك ضعيف لاستعملتك ، وقول أبي الأسود له في جواب ذلك : إن كنت تريدني للصّراع فإني لا أصلح له ، وإلا فغير شديد أن آمر وأنهى ، وقوله من قصيدة البيت المتقدّم : أطال يدي على الأيّام حتّى جزيت صروفها ( 5 ) صاعا بصاع أخذه من قول أمير المؤمنين عليّ كرم اللَّه وجهه :
--> ( 1 ) عمرو بن معدي كرب : مضرب المثل في الشجاعة والإقدام ، وحاتم الطائي : مضرب المثل في الكرم . والأحنف بن قيس ، سيد تميم : يضرب به المثل في الحلم وإياس بن معاوية ، قاضي البصرة : يضرب المثل بذكائه وفطنته . ( 2 ) في الديوان : « للتصبّر » . ( 3 ) في الديوان : « توجّع » . ( 4 ) في الديوان : « نحيلا » . ( 5 ) في الديوان : « فروضها » .